صفحة جزء
يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم [ ص: 358 ] يذكرون يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون

فقال: يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم قال صاحب النظم: إن الله تعالى أنزل المطر، فأنبت به النبات، فاتخذ الناس من النبات اللباس، فأوقع الإنزال على اللباس لما كان يسببه ما ينزل، وهو المطر، وقوله: وريشا، وقرئ: ورياشا، وهما المال والمعاش، قال أبو عبيدة: الريش والرياش: ما ظهر من اللباس.

وقال الفراء: يجوز أن يكون الرياش جمع ريش كما قالوا: لبس ولباس.

وقال زيد بن علي: اللباس: هذا الذي تلبسون، يواري سوءاتكم، والريش والرياش الذي تتجملون به من الثياب.

وقوله: ولباس التقوى ذلك خير قرئ: - بالنصب والرفع - فمن قرأ - بالنصب - حمل على أنزل، من قوله: قد أنزلنا والمعنى على هذه القراءة هو أن يتقي الله، فيستر عورته فلا يطوف عاريا كفعل أهل الجاهلية.

قال ابن الأنباري: ولباس التقوى هو اللباس الأول، وإنما أعاده لما أخبر عنه بأنه خير من التعري، إذ كان جماعة من أهل [ ص: 359 ] الجاهلية يتعبدون بالتعري في الطواف بالبيت.

ومن رفع: فعلى أنه مبتدأ، ومعناه على هذه القراءة ما قال قتادة، والسدي: لباس التقوى الإيمان.

وقال عطية: العمل الصالح.

وقال سعيد بن جبير: السمت الحسن.

وقال الكلبي: العفاف.

والمعنى: لباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به وأقرب له إلى الله تعالى مما خلق له من اللباس والرياش للتجميل.

وقوله: ذلك من آيات الله أي: إنزاله اللباس، وخلقه إياه مما يدل على التوحيد لعلهم يذكرون لكي يتعظوا.

قوله: يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان قال ابن عباس: لا يخدعنكم.

وعنه أيضا: لا يضلنكم.

كما أخرج أبويكم من الجنة يعني: آدم وحواء ينزع عنهما لباسهما أضاف نزع اللباس إلى الشيطان وإن لم يتول ذلك; لأنه كان بسبب منه، فأسند ذلك إليه، ليريهما سوآتهما ليري آدم سوءة حواء، ويري حواء سوءة آدم، واللام في ليريهما لام العاقبة.

وقوله: إنه يراكم هو وقبيله قال ابن عباس: هو وولده.

وقال ابن زيد: نسله.

وقال ابن قتيبة: أصحابه [ ص: 360 ] وجنده.

وقال مجاهد: قبيلة الجن والشياطين.

من حيث لا ترونهم قال ابن عباس: إن الله تعالى جعلهم يجرون من ابن آدم مجرى الدم، وصدور بني آدم مساكن لهم، كما قال: الذي يوسوس في صدور الناس ، فهم يرون بني آدم، وبنو آدم لا يرونهم.

وقال قتادة: والله إن عدوا يراك من حيث لا تراه لشديد المؤنة، إلا من عصمه الله.

وقوله: إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون قال الزجاج: سلطناهم عليهم يزيدون في غيهم كما قال: أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين الآية.

وقوله: وإذا فعلوا فاحشة قال ابن عباس، ومجاهد: يعني طوافهم بالبيت عراة رجالا ونساء.

وقال عطاء: يريد: الشرك.

وقال الزجاج: الفاحشة ما يشتد قبحه من الذنوب.

قوله: قل أمر ربي بالقسط قال ابن عباس: بلا إله إلا الله.

وقال الضحاك: بالتوحيد.

وقال السدي: بالعدل.

وقال الزجاج: هذا رد لقولهم: والله أمرنا بها .

وقوله: وأقيموا وجوهكم عند كل [ ص: 361 ] مسجد قال مجاهد، والسدي: وجهوا وجوهكم حيثما كنتم في الصلاة إلى الكعبة.

وادعوه مخلصين له الدين وحدوه ولا تشركوا به شيئا، كما بدأكم تعودون قال ابن عباس: يبعث المؤمن مؤمنا والكافر كافرا.

وقال سعيد بن جبير: كما كتب عليكم تكونون.

وقال القرظي: من ابتدأ الله خلقه على الشقاوة، صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه، وإن عمل بأعمال أهل السعادة، ومن ابتدأ خلقه على السعادة، صار إلى ما ابتدأ عليه خلقه، وإن عمل بأعمال أهل الشقاء كإبليس والسحرة.

وهذا القول اختيار القفال، قال: بدأكم في الخلق شقيا وسعيدا، وكذلك تعودون على الشقاء والسعادة.

ويدل على صحة هذه الأقوال ما.

حدثني إسماعيل بن أحمد الواعظ شيخ الإسلام، أنا محمد بن الفضل بن محمد السلمي، أنا جدي، أنا يوسف بن موسى، أنا جرير، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "يبعث كل عبد على ما مات عليه" .

رواه مسلم، عن قتيبة، عن جرير وقال الحسن، ومجاهد: كما بدأكم، فخلقكم في الدنيا ولم تكونوا شيئا، كذلك تعودون يوم القيامة أحياء.

وهذا القول اختيار الزجاج; لأنه قال: احتج الله تعالى عليهم في إنكارهم البعث فقال: كما بدأكم تعودون أي: فليس بعثكم بأشد من ابتدائكم.

واختاره أبو علي الفارسي، وقال: الآية من باب حذف المضاف، والتقدير: كما بدأ خلقكم، ثم حذف المضاف.

وقيل: كما بدأكم: قوله: تعودون معناه: يعود خلقكم، ثم حذف المضاف، وصارت المخاطبة في الفعل، فقيل: تعودون.

وقوله: فريقا هدى: قال ابن عباس: أرشد إلى دينه وهم أولياؤه.

وفريقا حق عليهم الضلالة وهم أولياء الشيطان، فخذلهم الله، فصاروا أولياء لإبليس، ومعنى: حق عليهم الضلالة أي: بالكلمة الأزلية، والإرادة السابقة.

[ ص: 362 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية