صفحة جزء
واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون

قوله تعالى: واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا أي: اقرأ وقص على قومك خبر الذي علمناه حجج التوحيد وفهمناه أدلته، فانسلخ منها أي: خرج منها وفارقها، فأتبعه الشيطان: لحقه وأدركه، فكان من الغاوين قال ابن عباس: أطاع الشيطان فكان من الضالين، نزلت الآية في بلعام بن باعوراء، كان عنده اسم الله الأعظم فقصد موسى بلده الذي هو فيه وغزى أهله وكانوا كفارا، فلم يزل قوم بلعم به حتى دعا عليهم، وكان مجاب الدعوة بذلك الاسم الذي كان عنده فاستجيب له، ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه بدعائهم، فقال موسى: يا رب بأي ذنب وقعنا في التيه؟ قال: بدعاء بلعم .

قال موسى: فكما سمعت دعاءه علي، فاسمع دعائي عليه.

فدعا موسى عليه أن ينزع منه الاسم الأعظم والإيمان، فنزع الله منه المعرفة وسلخه منها فخرجت من صدره كحمامة بيضاء.

وقال ابن عباس في رواية الوالبي: هو رجل من مدينة الجبارين يقال له بلعم، وكان يعلم اسم الله الأكبر، فلما نزل بهم موسى أتاه بنو عمه وقومه وقالوا: إن موسى رجل حديد ومعه جنود كثيرة، وإنه إن يظهر علينا يهلكنا فادع الله أن يردهم عنا، قال: إني إن دعوت عليهم ذهب دنياي وآخرتي فلم يزالوا به حتى دعا عليهم، فسلخه الله مما كان عليه.

وقوله: ولو شئنا لرفعناه بها وفقناه للعمل بها فكنا نرفع به منزلته، ولكنه أخلد إلى الأرض سكن إلى الدنيا ومال إليها، والأرض في هذه الآية عبارة عن الدنيا، وذلك أن الدنيا هي الأرض؛ لأن ما فيها من العقار والرياع والضياع كلها أرض وسائر متاعها يستخرج منها، وقوله: واتبع هواه انقاد لما دعاه إليه الهوى، قال ابن زيد: كان هواه مع القوم، وهذه الآية هي أشد الآي على ذوي العلم، وذلك أن الله تعالى أخبر أنه آتاه آياته من اسمه الأعظم، والدعوات المستجابة والعلم والحكمة، فاستوجب بالسكون إلى الدنيا [ ص: 428 ] واتباع الهوى تغيير النعمة عليه والانسلاخ منها، ومن الذي يسلم من هاتين الخلتين إلا من عصمه الله، ثم ضرب الله له مثلا فقال: فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث يقال: لهث الكلب يلهث لهثا ولهاثا.

إذا دلع لسانه، قال مجاهد: هذا مثل الذي يقرأ الكتاب ولا يعمل به، والمعنى: أن هذا الكافر إن زجرته لم ينزجر، وإن تركته لم يهتد، فالحالتان عنده سواء كحالتي الكلب فإنه إن طرد وحمل عليه بالطرد كان لاهثا، وإن ترك وربض كان لاهثا، وذلك أن بلعم زجر ونهي عن الدعاء على موسى، وخاطبته أتانه التي كان يركبها بذلك، فلم ينزجر ولم ينتفع بالزجر، وهذا التمثيل لم يقع لكل كلب وإنما وقع بالكلب اللاهث، وذلك أحسن ما يكون وأبشعه.

ثم عم بهذا التمثيل جميع من يكذب بآيات الله فقال: ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا وقال ابن عباس: يريد أهل مكة كانوا يتمنون هاديا يهديهم ويدعوهم إلى طاعة الله، فلما جاءهم من لا يشكون في صدقه كذبوه، فلم يهتدوا لما تركوا ولم يهتدوا لما دعوا بالرسول والكتاب.

وقوله: فاقصص القصص قال عطاء: قصص الذين كفروا وكذبوا أنبياءهم، لعلهم يتفكرون: يتعظون.

قوله: ساء مثلا يقال: ساء الشيء يسوء فهو سيئ إذا قبح، قال ابن عباس: يريد: بئس مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا.

قال الزجاج: وتقدير الكلام: ساء مثلا مثل القوم، ثم حذف المضاف وانتصب مثلا على التمييز، وساء هاهنا بمنزلة بئس.

من يهد الله فهو المهتدي من يتول الله هدايته فهو المهتدي، ومن يضلل: من أضله الله وخذله، فأولئك هم الخاسرون خسروا الآخرة ونعيمها.

التالي السابق


الخدمات العلمية