صفحة جزء
ثم أخبرهم، عن القرون الماضية، وعما قالت لهم الرسل، وما ردوا عليهم، فقال: ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ

ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم إلى قوله: والذين من بعدهم أي: من بعد هؤلاء الذين ذكرهم، لا يعلمهم إلا الله لا يحصي عددهم إلا الله، قال ابن عباس : لا يعلمهم إلا الله لكثرتهم.

قال ابن الأنباري : إن الله تعالى أهلك أمما من العرب وغيرها، فانقطعت أخبارهم، وعفت آثارهم: فليس يعرفهم أحد [ ص: 25 ] إلا الله، جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم قال ابن مسعود : عضوا عليها غيظا.

والمعنى أنهم ثقل عليهم مكان الرسل، فعضوا على أصابعهم من شدة الغيظ، وقال الكلبي : وضعوا الأيدي على الأفواه إشارة إلى الرسل أن اسكتوا.

وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به أي: على زعمكم بالإرسال لا أنهم أقروا أنهم أرسلوا.

قالت لهم، رسلهم أفي الله شك وهذا استفهام إنكار، أي: لا شك في الله، والمعنى: في توحيد الله، ثم ذكر ما يدل على وحدانيته، فقال: فاطر السماوات والأرض يدعوكم بالرسل والكتب، ليغفر لكم من ذنوبكم قال أبو عبيدة : من زائدة.

ويؤخركم إلى أجل مسمى لا يعالجكم بالعذاب، بل يؤخركم ويمتعكم في الدنيا إلى الأجل المسمى لكم، وهو الموت، قالوا للرسل، إن أنتم إلا بشر مثلنا ما أنتم إلا مخلوقون مثلنا، ليس لكم علينا فضل، تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا على ما تقولون، بسلطان مبين بحجة ظاهرة.

قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم اعترفوا لهم بأنهم آدميون مخلوقون مثلهم، ولكن الله يمن على من يشاء من عباده يعنون بالنبوة والرسالة، وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله ليس لنا أن نأتيكم ببرهان وحجة ومعجزة إلا أن يشاء الله ذلك، أي: ليس لنا ذلك من قبل أنفسنا، وعلى الله فليتوكل المؤمنون وإليه فليفوض المؤمنون أمورهم.

وما لنا ألا نتوكل على الله أي: أي شيء لنا إذا لم نتوكل على الله ولم نفوض إليه أمورنا، يعني أن العبد، وإن لم يتوكل، لم يدرك بجهده شيئا لم يقضه الله، وقد هدانا سبلنا عرفنا طرق التوكل، ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون وإنما قص هذا وأمثاله في القرآن على نبينا صلى الله عليه وسلم ليقتدي بمن قبله من النبيين، ويعلم أنهم أوذوا في سبيل الله، فصبروا وتوكلوا.

أخبرنا محمد بن محمد بن عبد الله بن زكريا الجوزقي ، أنا بشر بن أحمد بن بشر ، نا داوود ، نا ابن الحسن ، نا عبد الله بن عبد الوهاب الخوارزمي ، نا عاصم بن عبد الله ، نا إسماعيل بن جميع ، عن نعيم بن حكيم ، عن أبي مريم الثقفي ، عن أبي الدرداء ، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: " إذا أذاك البراغيث فخذ قدحا من ماء، فاقرأ عليه: وما لنا ألا نتوكل على الله الآية، وتقول: فإن كنتم آمنتم بالله; فكفوا شركم وأذاكم عنا، ثم ترش الماء حول فراشك، فإنك تبيت تلك الليلة آمنا من شرها" .

[ ص: 26 ] قوله: وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أي: ولا نساكنكم على مخالفتكم ديننا، أو لتعودن في ملتنا ذكرنا معناه في قصة شعيب في سورة الأعراف، فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين يعني الذين كفروا بالرسل، ولنسكننكم الأرض من بعدهم لنعطينكم سكناها بعد هلاكهم، ذلك الإسكان، لمن خاف مقامي .

قال ابن عباس : خاف مقامه بين يدي.

وقال الكلبي : مقامه بين يدي رب العالمين.

وهذا من باب إضافة المصدر إلى المفعول، كما تقول: ندمت على ضربك، وخاف وعيد قال ابن عباس : خاف مما أوعدت من العذاب.

يعني أن العاقبة بالنصر تكون لمن خاف الله .

واستفتحوا يعني: الرسل، استنصروا الله ودعوا على قومهم بالعذاب لما يئسوا من إيمانهم، وخاب كل جبار متكبر عن طاعة الله، عنيد قال قتادة : العنيد المعرض عن طاعة الله.

وقال مجاهد : هو المجانب للحق.

وقال الزجاج : الذي يعدل عن القصد، والمعنى: فاز الرسل بالنصرة، وخاب كل من كفر.

من ورائه جهنم قال ابن عباس ، والمفسرون: يريد أمامه جهنم، فهي بين يديه.

يعني: أنه يردها ويدخلها، ووراء، يكون لخلف وقدام، ومنه قوله: وكان وراءهم ملك أي: أمامهم.

ويسقى من ماء صديد الصديد: ماء الجرح المختلط بالدم والقيح.

قال المفسرون: يريد صديد القيح والدم الذي يخرج من فروج الزناة.

أخبرنا أبو القاسم بن عبدان محمد بن عبدان ، نا محمد بن عبد الله بن نعيم ، أنا الحسن بن حليم المروزي ، أنا أبو الموجه ، أنا عبدان ، نا عبد الله بن المبارك ، أنا صفوان بن عمرو ، عن عبيد الله بن بسر ، عن أبي أمامة ، [ ص: 27 ] عن النبي، صلى الله عليه وسلم، في قوله: ويسقى من ماء صديد يتجرعه قال: يقرب إليه، فيتكرهه فإذا أدني منه هوى وجهه، ووقع فروة رأسه، فإذا شرب; قطع أمعاءه، حتى يخرج من دبره، يقول الله، تعالى: وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم ، ويقول الله، تعالى: وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب .

قوله: يتجرعه التجرع: تناول الشراب جرعة جرعة قال ابن عباس : يريد بالكره.

ولا يكاد يسيغه يقال: ساغ الشراب في الحلق سوغا وأساغه الله، قال المفسرون: يتحساه ويشربه بالجرع، لا بمرة واحدة، لمرارته، ولا يسيغه إلا بعد إبطاء، لكراهته لذلك الشراب.

وقوله: ويأتيه الموت أي: هم الموت، وألمه، وكربه، من كل مكان قال ابن عباس : من كل شعرة في جسده.

وقال الثوري: من كل عرق في جسده.

وما هو بميت موتا تنقطع معه الحياة، ومن ورائه ومن بعد هذا العذاب، وقال الكلبي : ومن بعد هذا الصديد.

عذاب غليظ متصل الآلام، وقال إبراهيم التيمي : يعني الخلود في النار.

التالي السابق


الخدمات العلمية