صفحة جزء
قوله: وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا

وكذلك أي: وكما فعلنا بهم ما ذكر، بعثناهم أحييناهم من تلك النومة التي تشبه الموت، ليتساءلوا بينهم ليكون بينهم تساؤل وتنازع واختلاف في مدة لبثهم، قال قائل منهم كم لبثتم كم مر علينا منذ دخلنا هذا الكهف؟ قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قال المفسرون: إنهم دخلوا الكهف غدوة، وبعثهم الله تعالى في آخر النهار.

ولذلك قالوا: يوما، فلما رأوا الشمس قالوا: أو بعض يوم ، وكان قد بقي من النهار بقية، قالوا ربكم أعلم بما لبثتم قال ابن عباس : هو تمليخا رئيسهم، رد علم ذلك إلى الله.

فابعثوا أحدكم بورقكم الورق الفضة، مضروبة وغير مضروبة.

يقال: ورق وورق، وإنما قال هذه لأنه عنى بالورق الدراهم أو الفضة، قال ابن عباس : وكانت معهم دراهم عليها صورة الملك الذي كان في زمانهم.

[ ص: 141 ] وقوله: إلى المدينة يعني دقسوس ، وهي مدينتهم، ويقال: هي اليوم طرسوس ، فلينظر أيها أزكى طعاما قال عطاء ، وسعيد بن جبير : أحل الذبائح، وذلك أن عامة أهل بلدهم كانوا كفارا، وفيهم قوم يخفون إيمانهم.

وقال مجاهد : قالوا لصاحبهم لا تتبع طعاما فيه ظلم ولا غصب.

فليأتكم برزق منه بما تأكلونه، وليتلطف وليدقق النظر، وليحتل حتى لا يطلع عليه، ولا يشعرن بكم أحدا قال ابن عباس : لا يخبرن بكم، ولا بمكانكم أحدا من أهل المدينة.

قوله: إنهم إن يظهروا عليكم يشرفوا ويطلعوا عليكم، ويعلموا مكانكم، يرجموكم يقتلوكم بالرجم، وهو من أخبث القتل، أو يعيدوكم في ملتهم قال ابن عباس : يردوكم إلى دينهم، ولن تفلحوا إذا أبدا أي: إن رجعتم إلى دينهم لم تسعدوا في الدنيا ولا في الآخرة.

قوله: وكذلك أعثرنا عليهم قال المفسرون: إن الفتية لما هربوا من ملكهم، ودخلوا الكهف، أمر الملك أن يسد عليهم باب الكهف، ويدعوهم كما هم في الكهف ليموتوا عطشا وجوعا، وليكن كهفهم الذي اختاروا قبرا لهم، وهو يظن أنهم أيقاظ، وقد توفى الله أرواحهم وفاة النوم، ثم إن رجلين مؤمنين كتبا شأن الفتية وأنسابهم وأسماءهم وخبرهم في لوح من رصاص، وجعلاه في تابوت من نحاس، وجعلا التابوت في البنيان الذي بنوا على باب الكهف، وقالوا: لعل الله يظهر على هؤلاء الفتية قوما مؤمنين قبل يوم القيامة، فيعلموا خبرهم حين يقرأون هذا الكتاب.

ثم انقرض أهل ذلك الزمان، وخلفت بعدهم قرون، وملوك كثيرة، وملك أهل تلك البلاد رجل صالح، يقال له: تندوسيس .

وتحزب الناس في ملكه أحزابا، منهم من يؤمن بالله تعالى، ويعلم أن الساعة حق، ومنهم من يكذب، فكبر ذلك على الملك الصالح، وشكا إلى الله تعالى، وتضرع، وقال: أي رب، قد ترى اختلاف هؤلاء، فابعث لهم آية تبين لهم أن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها .

فألقى الله في نفس الرجل من أهل ذلك البلد الذي به الكهف، أن يهدم البنيان الذي على فم الكهف، فيبني منه حظيرة لغنمه، ففعل ذلك، وبعث الله الفتية من نومهم، فأرسلوا أحدهم ليطلب لهم طعاما، فاطلع الناس على أمرهم، وبعثوا إلى الملك الصالح يعلمونه الخبر ليعجل القدوم عليهم، وينظر إلى آية من آيات الله جعلها الله في ملكه آية للعالمين، فتية بعثهم الله تعالى، وقد كان توفاهم منذ أكثر من ثلاث مائة سنة، فلما بلغه الخبر، حمد الله، وركب، وركب معه أهل مدينته حتى أتوا مدينة أصحاب الكهف، فذلك قوله: وكذلك أعثرنا عليهم أي: وكما أنمناهم وبعثناهم أعثرنا أطلعنا وأظهرنا، ليعلموا أن وعد الله بالبعث والثواب والعقاب، حق وأن القيامة لا شك فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم تنازع أهل ذلك الزمان في قدر مكثهم في الكهف، وفي عددهم، وفيما يفعلون بعد أن اطلعوا عليهم، فقال الله تعالى: ربهم أعلم بهم بشأنهم وعددهم، وقال مشركو ذلك الوقت: ابنوا عليهم بنيانا يعني: استروهم من الناس بأن تجعلوه وراء ذلك البنيان، كما يقال: بنى عليه جدارا، إذا حوطه وجعله وراء الجدار.

قال الذين غلبوا على أمرهم وهم المؤمنون الذين لم يشكوا في البعث، الملك وأصحابه: لنتخذن عليهم مسجدا ذكر في القصة أن الملك جعل على باب الكهف مسجدا، وجعل عنده عيدا عظيما، وأمر أن يؤتى كل سنة، قال الزجاج : هذا يدل على أنه لما ظهر أمرهم، غلب المؤمنون بالبعث والنشور; لأن المساجد للمؤمنين.

التالي السابق


الخدمات العلمية