صفحة جزء
فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم

فمكث غير بعيد أي: لم يلبث إلا يسيرا حتى جاء الهدهد، فقال أحطت بما لم تحط به أي: علمت شيئا من جميع جهاته، ما لم تعلم.

قال ابن عباس: فأتاه الهدهد بحجة، فقال: اطلعت على ما لم تطلع عليه.

وقال مقاتل: قال الهدهد: علمت ما لم تعلم، وجئتك بأمر لم تعلم، وجئتك بأمر لم تخبرك به الجن، ولم تعلمك به الإنس، وبلغت ما لم تبلغه أنت ولا جنودك.

وهو قوله: وجئتك من سبإ وقرئ من سبأ بالتنوين، قال الزجاج: من لم يصرف فلأنه اسم مدينة تعرف بمأرب من اليمن، بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام، من صرف ثلاثة اسم البلد فيكون منكرا سمي به مذكر، وروي في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل [ ص: 375 ] عن سبأ، فقال: "كان رجلا له عشر من البنين".

وقد تكلمت العرب فيه الأجواد وغير الأجواد، وقال جرير:


الواردون وتيم في ذرى سبأ



وقال آخر:


من سبأ الحاضرين مأرب إذ     يبنون من دون سيله العرما



وقوله: بنبأ يقين قال ابن عباس: الخبر الصادق، فقال سليمان: وما ذاك؟ فقال الهدهد: إني وجدت امرأة تملكهم يعني: بلقيس ملكة سبأ، قال مجاهد: كان تحت يدها اثنا عشر ألف قيل، والقيل بلغتهم الملك، تحت يدي كل قيل ألف مقاتل.

وأوتيت من كل شيء قال عطاء: من زينة الدنيا من المال، والجنود، والعلم.

ولها عرش عظيم قال: يريد سريرا من ذهب، طوله ثمانون ذراعا، وعرضه أربعون ذراعا، وارتفاعه في السماء ثلاثون ذراعا، مضروب بالذهب، مكلل بالدر والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر، قوائمه من زبرجد أخضر.

أخبر الهدهد أنها وقومها على غير دين الله، وهو قوله تعالى: وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله الآية، إلى قوله: ألا يسجدوا ومن قرأ بالتشديد كان المعنى فقدهم عن السبيل لئلا يسجدوا، ثم حذفت، قاله الزجاج، وقال الفراء: زين لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا، ثم حذفت اللام.

ومن قرأ بالتخفيف كان المعنى: ألا يا قوم، أو يا مسلمون اسجدوا لله الذي خلق السماوات والأرض خلافا عليهم، وحمدا لله لمكان ما هداكم لتوحيده، فلم تكونوا مثلهم في الطغيان والكفر، وعلى هذه القراءة هذا كلام معترض من غير القصة، إما من الهدهد وإما من سليمان.

وقال أبو عبيدة: هذا أمر من الله مستأنف.

يعني: ألا يا أيها الناس: اسجدوا لله.

قرأه العامة لئلا تنقطع القصة بما ليس فيها.

وقوله: يخرج الخبء في السماوات والأرض يقال: خبأت الشيء أخبأه خبأ، والخبء ما خبأته لوقت.

قال الزجاج: جاء في التفسير أن الخبأ هاهنا من السماء، والنبات من الأرض، وعلى هذا في تكون بمعنى من، وكذا هو في قراءة عبد الله، ويجوز أن يكون يعني الخبأ الغيب، فيكون المعنى: يعلم الغيب في السماوات والأرض، وهذا قول قتادة، ويعلم ما يخفون في قلوبهم، وما [ ص: 376 ] يعلنون بألسنتهم، وقرأ الكسائي بالتاء لأن أول الآية خطاب على قراءته بتخفيف الآيات اسجدوا كذلك آخر الآية.

الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم أي: هو الذي يستحق العبادة لا غيره، وهو رب العرش العظيم، لا ملكة سبأ؛ لأن عرشها، وإن كان عظيما، لا يبلغ عرش الله في العظمة، فلما فرغ الهدهد من كلامه.

التالي السابق


الخدمات العلمية