إن يوم الفصل كان ميقاتا يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا وفتحت السماء فكانت أبوابا وسيرت الجبال فكانت سرابا إن جهنم كانت مرصادا للطاغين مآبا لابثين فيها أحقابا لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا جزاء وفاقا إنهم كانوا لا يرجون حسابا وكذبوا بآياتنا كذابا وكل شيء أحصيناه كتابا فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا [ ص: 441 ] فقال:
إن يوم الفصل يعني يوم القضاء هو يوم القيامة بين الخلائق
كان ميقاتا يعني كان ميقات الكافر، وذلك أنهم كانوا يقولون:
متى هذا الوعد إن كنتم صادقين فأنزل الله عز وجل يخبرهم بأن ميقات ذلك اليوم كائن يوم الفصل يا معشر الكفار، فتجازون ما وعدكم على ألسنة الرسل، ثم أخبرهم أيضا فقال:
يوم ينفخ في الصور وذلك أن
إسرافيل ، عليه السلام، ينفخ فيها فيقول: أيتها العظام البالية، وأيتها العروق المتقطعة، وأيتها اللحوم المتمزقة، وأيتها الأشعار الساقطة، اجتمعن لننفخ فيكم أرواحكم، وأجازكم بأعمالكم ويديم الملك الصوت، فتجتمع الأرواح كلها في القرن، والقرن طوله طول السماوات والأرض، فتخرج أرواحهم مثل النحل سود وبيض شقي وسعيد، أرواح المؤمنين، بيض كأمثال النحل من السماء إلى واد
بدمشق يقال له:
الجابية، وتخرج أرواح الكفار من الأرض السفلى سود إلى واد
بحضرموت يقال له:
برهوت، وكل روح أعرف بجسد صاحبه من أحدكم إلى منزله
فتأتون أفواجا ثم ينزل
إسرافيل من فوق السماء السابعة فيجلس على صخرة
بيت المقدس، فيأخذ أرواح الكفار والمؤمنين ويجعلهم في القرن، ودائرة القرن مسيرة خمسمائة عام، ثم ينفخ في القرن فتطير الأرواح حتى تطبق ما بين السماء والأرض، فتذهب كل روح فتقع في جسد صاحبها، فيخرج الناس من قبورهم فوجا، فذلك قوله:
فتأتون أفواجا يعني زمرا زمرا، وفرقا فرقا، وأمما أمما،
وفتحت السماء يعني وفرجت السماء، يعني وفتقت السماء فتقطعت
فكانت أبوابا يعني خللا خللا فشبهها الله بالغيم إذا انكشفت بعد المطر، ثم تهيج به الريح الشمال الباردة فينقطع فيصير كالأبواب
وسيرت الجبال يعني وتقلعت الجبال من أماكنها، فطارت بين السماء والأرض من خشية الله، فضرب الله لها مثلا، فقال:
فكانت سرابا يعني مثل السراب يكون بالقاع يحسبه الظمآن ماء، فإذا أتاه لم يجده شيئا، فذلك قوله:
تحسبها جامدة يعني من بعيد يحسبها جبلا قائما، فإذا انتهى
[ ص: 442 ] إليه ومسه لم يجده شيئا، فتصير الجبال أول مرة كالمهل، ثم تصير الثانية كالعهن المنفوش، ثم تذهب فتصير لا شيء فتراها تحسبها جبالا، فإذا مسستها لم تجدها شيئا، فذلك قوله:
وسيرت الجبال يعني انقطعت الجبال من خشية الله عز وجل يوم القيامة فكانت سرابا فما حالك يا بن
آدم .
إن جهنم كانت مرصادا للطاغين يعني الكافرين
مآبا يعني المشركين، مرجعا إليها، نزلت في
nindex.php?page=showalam&ids=20611الوليد بن المغيرة لابثين فيها ثم ذكر كم يلبثون في النار فلم يوقت لهم فقال:
لابثين فيها يعني في جهنم
أحقابا يعني في جهنم أحقابا وهي سبعة عشر حقبا، يعني الأزمنة والأحقاب لا يدرى عدها، ولا يعلم منتهاها إلا الله عز وجل، الحقب الواحد ثمانون سنة، السنة فيها ثلاثمائة وستون يوما، كل يوم فيها مقدار ألف سنة، وكان هذا
بمكة ، وأنزل الله عز وجل
لا يذوقون فيها في تلك الأحقاب
بردا يعني برد الكافور
ولا شرابا يعني الخمر كفعل أهل الجنة، ثم استثنى، فقال:
إلا حميما وغساقا إلا حميما يعني حارا، وأيضا لا يذوقون في جهنم بردا ولا شرابا، يعني لا يذوقون فيها روحا طيبا، ولا شرابا باردا ينفعهم من هذه النار.
قال
nindex.php?page=showalam&ids=16568أبو محمد: قال
أبو العباس أحمد بن يحيى ويقال البرد: اليوم،
إلا حميما يعني بالحميم المذاب الذي قد انتهى حره،
وغساقا الذي قد انتهى برده، وهو الزمهرير الذي انتهى برده
جزاء وفاقا كما أنه
ليس في الأعمال أخبث من الشرك بالله عز وجل وكذا ليس من العذاب شيء أخبث من النار فوافقت النار الشرك، ثم قال
إنهم كانوا لا يرجون حسابا يعني أنهم كانوا لا يخافون من العذاب أن يحاسبوا بأعمالهم الخبيثة إذا عملوها، قال:
وكذبوا بآياتنا يعني القرآن
كذابا يعني تكذيبا بما فيه من الأمر والنهي، ثم رجع إلى أعمالهم الخبيثة فقال:
وكل شيء أحصيناه من الأعمال
كتابا يعني ثبتناه مكتوبا عندنا في كتاب حفيظ يعني اللوح المحفوظ
كتابا يعني ما عملوا من السيئات أثبتناه في اللوح المحفوظ مثلها، في يس:
وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ثم رجع إلى أهل النار الذين قال فيهم:
لابثين فيها أحقابا فذكر أن الخزنة تقول لهم:
فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا . قال
nindex.php?page=showalam&ids=17131مقاتل ، عن
أبي الزبير ،
عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : إنه قال: الزيادة خمسة أنهار من [ ص: 443 ] تحت العرش على رؤوس أهل النار ثلاثة منها على مقدار الليل، ونهران على مقدار النهار، كقوله في النحل:
زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون . قال:
فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا بعد هذه السنين، فأما الزيادة فالأنهار، أما الآن الذي ذكره الله عز وجل في الرحمن فليس له منتهى.