صفحة جزء
يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون

قوله سبحانه: يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم ، نزلت في عبد الله بن جحش بن رباب الأسدي ، من بني غنم بن دودان، وفي عبد الله بن حذافة القرشي، ثم السهمي ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج "، فقال عبد الله بن جحش ، أفي كل عام؟ فسكت عنه صلى الله عليه وسلم، ثم أعاد قوله، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم عاد، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم ونخسه بقضيب كان معه، ثم قال: " ويحك، لو قلت نعم لوجبت، فاتركوني ما تركتكم، فإذا أمرتكم بأمر فافعلوه، وإذا نهيتكم عن أمر فانتهوا عنه "، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أيها الناس، إنه قد رفعت لي الدنيا، فأنا أنظر إلى ما يكون في أمتي من الأحداث إلى يوم القيامة، ورفعت لي أنساب العرب، فأنا أعرف أنسابهم رجلا رجلا ".

فقام رجل، فقال: يا رسول الله؟ أين أنا؟ قال: " أنت في الجنة "، ثم قام آخر، فقال: أين أنا؟ قال: " في الجنة "، ثم قام الثالث، فقال: أين أنا. فقال: " أنت في النار "، فرجع الرجل حزينا، وقام عبد الله بن حذافة ، وكان يطعن فيه، فقال: يا رسول الله، من أبي؟ قال: " أبوك حذافة "، وقام رجل من بني عبد الدار، فقال يا رسول الله، من أبي؟ قال: " أبوك سعد "، نسبه إلى غير أبيه، فقام عمر بن الخطاب ، فقال: يا رسول الله، استر علينا يستر الله عليك، إنا قوم قريبو عهد بالشرك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " خيرا "، فأنزل الله عز وجل:
لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم
، يعني إن تبين لكم فلعلكم إن [ ص: 325 ] تسألوا عما لم ينزل به قرآنا فينزل به قرآنا مغلظا لا تطيقوه، قوله سبحانه: وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن ، يعني عن الأشياء حين ينزل بها قرآنا، تبد لكم تبين لكم، عفا الله عنها ، يقول: عفا الله عن تلك الأشياء حين لم يوجبها عليكم، والله غفور حليم ، يعني ذو تجاوز حين لا يعجل بالعقوبة.

ثم قال عز وجل: قد سألها قوم ، يقول: قد سأل عن تلك الأشياء، من قبلكم ، يعني من بني إسرائيل، فبينت لهم، ثم أصبحوا بها كافرين ، وذلك أن بني إسرائيل سألوا المائدة قبل أن تنزل، فلما نزلت كفروا بها، فقالوا: ليست المائدة من الله، وكانوا يسألون أنبياءهم عن أشياء، فإذا أخبروهم بها تركوا قولهم، ولم يصدقوهم، فأصبحوا بتلك الأشياء كافرين.

قوله سبحانه: ما جعل الله حراما، من بحيرة لقولهم: إن الله أمرنا بها، نزلت في مشركي العرب، منهم: قريش، وكنانة، وعامر بن صعصعة ، وبنو مدلج، والحارث ، وعامر ابنا عبد مناة، وخزاعة، وثقيف، أمرهم بذلك في الجاهلية عمرو بن ربيعة بن لحي بن قمعة بن خندف الخزاعي ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " رأيت عمرو بن ربيعة الخزاعي رجلا قصيرا، أشقر، له وفرة، يجر قصبه في النار، يعني أمعاءه، وهو أول من سيب السائبة، واتخذ الوصيلة، وحمى الحامي، ونصب الأوثان حول الكعبة، وغير دين الحنفية، فأشبه الناس به أكثم بن الجون الخزاعي "، فقال أكثم: أيضرني شبهه يا رسول الله؟ قال: " لا، أنت مؤمن وهو كافر ".

والبحيرة الناقة إذا ولدت خمسة أبطن، فإذا كان الخامس سقيا، وهو الذكر، ذبحوه للآلهة، فكان لحمه للرجال دون النساء، وإن كان الخامس ربعة، يعني أنثى، شقوا أذنيها، فهي البحيرة، وكذلك من البقر، لا يجز لها وبر، ولا يذكر اسم الله عليها إن ركبت، أو حمل عليها، ولبنها للرجال دون النساء، وأما السائبة، فهي الأنثى من الأنعام كلها، كان الرجل يسيب للآلهة ما شاء من إبله وبقره وغنمه، ولا يسيب إلا الأنثى، وظهورها، وأولادها، وأصوافها، وأوبارها، وأشعارها، وألبانها للآلهة، ومنافعها للرجال دون النساء، وأما الوصيلة، فهي الشاة من الغنم إذا ولدت سبعة أبطن عمدوا إلى السابع، فإن كان جديا ذبحوه للآلهة، وكان لحمه للرجال دون النساء، وإن كانت عتاقا استحيوها، فكانت من عرض الغنم.

[ ص: 326 ] قال عبد الله بن ثابت: قال أبي: قال أبو صالح: قال مقاتل: وإن وضعته ميتا، أشرك في أكله الرجال والنساء، فذلك قوله عز وجل: وإن يكن ميتة فهم فيه شركاء ، بأن ولدت البطن السابع جديا وعتاقا، قالوا: إن الأخت قد وصلت أخاها، فرحمته علينا، فحرما جميعا، فكانت المنفعة للرجال دون النساء، وأما الحام، فهو الفحل من الإبل إذا ركب أولاد أولاده، فبلغ ذلك عشرة أو أقل من ذلك، قالوا: قد حمى هذا ظهره، فأحرز نفسه، فيهل للآلهة ولا يحمل عليه، ولا يركب، ولا يمنع من مرعى، ولا ماء، ولا حمى، ولا ينحر أبدا حتى يموت موتا، فأنزل الله عز وجل: ما جعل الله حراما، من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا من قريش وخزاعة من مشركي العرب، يفترون على الله الكذب ; لقولهم: إن الله أمرنا بتحريمه حين قالوا في الأعراف: والله أمرنا بها ، يعني بتحريمها، ثم قال: وأكثرهم لا يعقلون أن الله عز وجل لم يحرمه.

قوله سبحانه: وإذا قيل لهم ، يعني مشركي العرب، تعالوا إلى ما أنزل الله في كتابه من تحليل ما حرم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، وإلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا من أمر الدين، فإنا أمرنا أن نعبد ما عبدوا، يقول الله عز وجل: أولو كان آباؤهم ، يعني فإن كان آباؤهم، لا يعلمون شيئا من الدين، ولا يهتدون له، أفتتبعونهم؟.

التالي السابق


الخدمات العلمية