صفحة جزء
قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون وما الحياة الدنيا إلا لعب ولهو وللدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين

قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله ، يعني بالبعث، حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة ، يعني يوم القيامة بغتة، يعني فجأة، قالوا يا حسرتنا ، يعني كفار قريش، على ما فرطنا فيها ، يقولون: يا ندامتنا على ما ضيعنا في الدنيا من ذكر الله، ثم قال: وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون ، وذلك أن الكافر إذا بعث في الآخرة، أتاه عمله الخبيث في صورة حبشي، أشوه، منتن الريح، كريه المنظر، فيقول له الكافر: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الخبيث، قد كنت أحملك في الدنيا بالشهوات واللذات، فاحملني اليوم، فيقول: وكيف أطيق حملك؟ فيقول: كما حملتك، فيركب ظهره، فذلك قوله: وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ألا ساء ما يزرون ، يعني ألا بئس ما يحملون.

وما الحياة الدنيا إلا لعب ، يعني إلا باطل، ولهو يكون في الدنيا، [ ص: 344 ] وللدار الآخرة خير ، يثني على الجنة، يقول: ولدار الجنة أفضل من الدنيا، للذين يتقون الشرك، أفلا ، يعني فهلا تعقلون أن الدار الآخرة أفضل من الدنيا ; لأنها بعد دار الدنيا، وإنما سميت الدنيا ; لأنها أدنى إلينا من دار الآخرة.

قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون ، نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف بن قصي ، كان الحارث يكذب النبي صلى الله عليه وسلم في العلانية، فإذا خلا مع أهل ثقته، قال: ما محمد من أهل الكذب، وإني لأحسبه صادقا، وكان إذا لقي النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إنا لنعلم أن هذا الذي تقول حق، وإنه لا يمنعنا أن نتبع الهدى معك إلا مخافة أن يتخطفنا الناس، يعني العرب، من أرضنا إن خرجنا، فإنما نحن أكلة رأس، ولا طاقة لنا بهم، نظيرها في القصص: وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا ، فأنزل الله: قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون في العلانية بأنك كذاب مفتر، فإنهم لا يكذبونك في السر بما تقول بأنك نبي رسول، بل يعلمون أنك صادق، وقد جربوا منك الصدق فيما مضى، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ، يعني بالقرآن بعد المعرفة.

ولقد كذبت رسل من قبلك ، وذلك قبل كفار مكة ; لأن كفار مكة، قالوا: يا محمد، ما يمنعك أن تأتينا بآية كما كانت الأنبياء تجيء بها إلى قومهم، فإن فعلت صدقناك، وإلا فأنت كاذب، فأنزل الله يعزي نبيه صلى الله عليه وسلم ليصبر على تكذيبهم إياه، وأن يقتدي بالرسل قبله: ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا في هلاك قومهم، وأهل مكة بمنزلتهم، فذلك قوله: ولا مبدل لكلمات الله ، يعني لا تبديل لقول الله بأنه ناصر محمدا صلى الله عليه وسلم، ألا وقوله حق كما نصر الأنبياء قبله، ولقد جاءك من نبإ ، يعني من حديث المرسلين حين كذبوا وأوذوا ثم نصروا.

وإن كان كبر عليك ، يعني ثقل عليك إعراضهم عن الهدى، ولم تصبر على تكذيبهم إياك، فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض ، يعني سربا، أو سلما في السماء ، أي فإن لم تستطع فأت بسلم ترقى فيه إلى السماء، فتأتيهم بآية فافعل إن استطعت، ثم عزى نبيه صلى الله عليه وسلم ليصبر على تكذيبهم، فقال: ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين ، فإن الله لو شاء لجعلهم مهتدين.

[ ص: 345 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية