صفحة جزء
يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون

[ ص: 13 ] يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول ، يعني أبا لبابة ، وفيه نزلت هذه الآية، نظيرها في المتحرم وتخونوا يعني فخالفتاهما في الدين، ولم يكن في الفرج ، واسمه مروان بن عبد المنذر الأنصاري ، من بني عمرو بن عوف، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حاصر يهود قريظة إحدى وعشرين ليلة، فسألوا الصلح على مثل صلح أهل النضير، على أن يسيروا إلى إخواتهم إلى أذرعات وأريحا في أرض الشام، وأبى النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزلوا إلا على الحكم، فأبوا، وقالوا: أرسل إلينا أبا لبابة ، وكان مناصحهم، وهو حليف لهم، فبعثه النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فلما أتاهم، قالوا: يا أبا لبابة ، أتنزل على حكم محمد صلى الله عليه وسلم؟ فأشار أبا لبابة بيده إلى حلقه إنه الذبح، فلا تنزلوا على الحكم، فأطاعوه، وكان أبو لبابة وولده معهم، فغش المسلمين وخان، فنزلت في أبي لبابة: يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون أنها الخيانة.

ثم حذرهم، فقال: واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة ، يعني بلاء؛ لأنه ما نصحهم إلا من أجل ماله وولده؛ لأنه كان في أيديهم، وأن الله عنده أجر ، يعني جزاء عظيم ، يعني الجنة.

يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله ، فلا تعصوه، يجعل لكم فرقانا ، يعني مخرجا من الشبهات، ويكفر عنكم سيئاتكم ، يعني ويمحو عنكم خطاياكم، ويغفر لكم ، يقول: ويتجاوز عنكم، والله ذو الفضل العظيم . وإذ يمكر بك الذين كفروا ، وذلك أن نفرا من قريش، منهم: أبو جهل بن هشام ، وعتبة بن ربيعة ، وهشام بن عمرو ، وأبو البحتري بن هشام ، وأمية بن خلف ، وعقبة بن أبي معيط ، وعيينة بن حصن الفزاري ، والوليد بن المغيرة ، والنضر بن الحارث ، وأبي بن خلف ، اجتمعوا في دار الندوة بمكة يوما، وهو يوم السبت ليمكروا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فأتاهم [ ص: 14 ] إبليس في صورة رجل شيخ كبير، فجلس معهم، فقالوا: ما أدخلك في جماعتنا بغير إذننا، قال: إنما أنا رجل من أهل نجد، ولست من أهل تهامة، قدمت مكة فرأيتكم حسنة وجوهكم، طيبة ريحكم، نقية ثيابكم، فأحببت أن أسمع من حديثكم، وأستر عليكم، فإن كرهتم مجلسي خرجت من عندكم، فقالوا: هذا رجل من أهل نجد، وليس من أهل تهامة، فلا بأس عليكم منه، فتعملوا بالمكر بمحمد.

فقال أبو البحتري بن هشام ، من بني أسد بن عبد العزى: أما أنا فرأيي أن تأخذوا محمدا، فتجعلوه في بيت، وتسدوا بابه، وتدعوا له كوة، يدخل منها طعامه وشرابه حتى يموت، قال إبليس: بئس والله الرأي رأيتم، تعمدون إلى رجل له فيكم صغو قد سمع به من حولكم، فتحبسونه فتطعمونه وتسقونه فيوشك الصغو الذي له فيكم أن يقاتلكم عليه، فيفسد جماعتكم ويسفك دماءكم، فقالوا: صدق والله الشيخ.

فقال هشام بن عمرو ، من بني عامر بن لؤي: أما أنا، فرأيي أن تحملوا محمدا على بعير، فيخرج من أرضكم، فيذهب حيث شاء، ويليه غيركم، قال إبليس: بئس والله الرأي رأيتم، تعمدون إلى رجل قد شتت وأفسد جماعتكم، واتبعه منكم طائفة، فتخرجوه إلى غيركم، فيفسدهم كما أفسدكم، فيوشك والله أن يقبل بهم عليكم ويتولى الصغو الذي له فيكم، قالوا: صدق والله الشيخ.

فقال أبو جهل بن هشام المخزومي: أما أنا، فرأيي أن تعمدوا إلى كل بطن من قريش، فتأخذوا من كل بطن رجلا، ثم تعطوا كل رجل منهم سيفا، فيضربونه جميعا بأسيافهم فلا يدري قومه من يأخذون به، وتؤدي قريش ديته، قال إبليس: صدق والله الشاب، إن الأمر لكما قال، فتفرقوا على قول أبي جهل.

فنزل جبريل، عليه السلام، فأخبره بما ائتمر به القوم، وأمره بالخروج، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من ليلته إلى الغار، وأنزل الله عز وجل: وإذ يمكر بك الذين كفروا من قريش ليثبتوك ، يعني ليحبسوك في بيت، يعني أبا البحتري بن هشام ، أو يقتلوك يعني أبا جهل ، أو يخرجوك من مكة، يعني به هشام بن عمرو ، ويمكرون بالنبي صلى الله عليه وسلم الشر، ويمكر الله بهم حين أخرجهم من مكة فقتلهم ببدر، فذلك قوله: [ ص: 15 ] والله خير الماكرين ، أفضل مكرا منهم،
أنزل الله: أم أبرموا أمرا ، يقول: أم أجمعوا على أمر، فإنا مبرمون ، يقول: لنخرجنهم إلى بدر فنقتلهم، أو نعجل أرواحهم إلى النار قوله: وإذا تتلى عليهم آياتنا ، يعني القرآن، قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا القرآن، قال ذلك النضر بن الحارث بن علقمة ، من بني عبد الدار بن قصي، ثم قال: إن هذا الذي يقول محمد من القرآن إلا أساطير الأولين ، يعني أحاديث الأولين، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم يحدث عن الأمم الخالية، وأنا أحدثكم عن رستم ، وأسفندباز ، كما يحدث محمد، فقال عثمان بن مظعون الجمحي: اتق الله يا نضر ، فإن محمدا يقول الحق، قال: وأنا أقول الحق، قال عثمان: فإن محمدا يقول: لا إله إلا الله، قال: وأنا أقول: لا إله إلا الله، ولكن الملائكة بنات الرحمن.

فأنزل الله عز وجل في حم الزخرف، فقال: قل يا محمد: إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين ، أول الموحدين من أهل مكة، فقال عند ذلك: ألا ترون قد صدقني: إن كان للرحمن ولد ، قال الوليد بن المغيرة: لا والله ما صدقك، ولكنه قال: ما كان للرحمن ولد، ففطن لها النضر ، فقال: وإذ قالوا اللهم إن كان هذا ما يقول محمد هو الحق من عندك ، يعني القرآن، فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ، يعني وجيع.

فأنزل الله: وما كان الله ليعذبهم ، يعني أن يعذبهم وأنت فيهم بين أظهرهم حتى يخرجك عنهم كما أخرجت الأنبياء عن قومهم، وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ، يعني يصلون لله، كقوله: وبالأسحار هم يستغفرون ، يعني يصلون،
وذلك أن نفرا من بني عبد الدار، قالوا: إنا نصلي عند البيت، فلم يكن الله ليعذبنا ونحن نصلي له.

[ ص: 16 ] ثم قال: وما لهم ألا يعذبهم الله إذ لم يكن نبي ولا مؤمن بعد ما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من أهل مكة، وهم يصدون عن المسجد الحرام المؤمنين، وما كانوا أولياءه ، يعني أولياء الله، إن أولياؤه ، يعني ما أولياء الله إلا المتقون الشرك، يعني المؤمنين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن أكثرهم لا يعلمون ، يقول: أكثر أهل مكة لا يعلمون توحيد الله عز وجل.

وأنزل الله عز وجل في قول النضر أيضا حين قال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ، يعني وجيع، أنزل: سأل سائل بعذاب واقع إلى آيات منها.

ثم أخبر عن صلاتهم عند البيت، فقال: وما كان صلاتهم عند البيت ، يعني عند الكعبة الحرام، إلا مكاء وتصدية ، يعني بالتصدية الصفير والتصفية، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى في المسجد الحرام، قام رجلان من بني عبد الدار بن قصي من المشركين عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم، فيصفران كما يصفر المكاء، يعني به طيرا اسمه المكاء، ورجلان عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم فيصفقان بأيديهما ليخلطا على النبي صلى الله عليه وسلم صلاته وقراءته، فقتلهم الله ببدر هؤلاء الأربعة، ولهم يقول الله ولبقية بني عبد الدار: فذوقوا العذاب ، يعني القتل ببدر، بما كنتم تكفرون بتوحيد الله عز وجل.

التالي السابق


الخدمات العلمية