تهذيب الآثار للطبري

الطبري - محمد بن جرير الطبري

صفحة جزء
وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من يحمي أعراض المؤمنين" فإنه يعني بقوله صلى الله عليه وسلم: "من يحمي" من يمنع من أراد أعراضهم بسوء، من قول قبيح أو هجاء يهجى به من حاول ذلك منهم.

وأصل الحمى المنع، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا حمى إلا لله ولرسوله" ، يعني بذلك: أنه ليس لأحد أن يتحجر من المباحات شيئا ولا يمنعه أحدا إلا الله ورسوله، فإن ذلك لله دون خلقه، لأن الدنيا كلها له ملك يفعل فيها ما شاء، ولرسوله بإذن الله تعالى له بذلك، ومنه أيضا قولهم "حمى فلان جيشه في الحرب" ، وذلك إذا منع عدوهم من الوصول إليهم، ومنه قول الشاعر:


غيوث الحيا في كل محل ولزبة أسود الشرى يحمين كل عرين

[ ص: 686 ] يعني بقوله: "يحمين" ، يمنعن.

يقال منه: حمى القوم فلان من عدوهم، فهو يحميهم حماية، ومن: حمى الأرض حمى، مقصور، ورجل ذو حمية منكرة، إذا كان ذا غضب وأنفة، ومنه قولهم: حميت المريض الطعام، إذا منعته إياه.

وأما الإحماء، فإنه أن يجعل الشيء بحال لا يمكن، لامتناعه بما حصل له من الصفة أن يقرب، وذلك كالحديدة تدخل النار، وتحمى حتى تصير لا يمكن من أرادها أن يمسها، أو البقعة يجعل فيها ما لا يمكن الوصول إليها بسبب ما جعل فيها، يقال منه: أحميت الحديدة في النار، فأنا أحميها إحماء.

وأما حميا الكأس، فإنه سورتها يقال منه: سارت فيه حميا الكأس، إذا سارت فيه سورتها.

التالي السابق


الخدمات العلمية