وكذلك القول في ذلك
إذا تقابضا ثم افترقا عن مجلسهما الذي تصارفا فيه بأبدانهما، ثم وجد مشتري الدراهم بعضها زائفا فرده على بائعها منه مريدا البدل منه، فليس ذلك له على وجه الاستبدال منه بالصرف الأول، لأنه إذا فعل ذلك كان المستبدل منه مقبوضا بعد الافتراق.
وذلك ما حرمه الله عز وجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ولكنه إذا رده انتقض الصرف في قدر المردود من الدراهم، فكان له الخيار في الباقي على ما قد وصفت.
فإن رضي بإمضاء البيع في الجياد من الدراهم بحصتها من ديناره، كان البيع جائزا ماضيا في قدر الجياد منها، والصرف فيها نافذا، وكان لرب الدراهم التي باعه إياها شريكا في ديناره بقدر حصته ما رد عليه من دراهمه العيب الزائف، فإن شاء صارف صاحبه ذلك الفضل الذي
[ ص: 755 ] انتقض فيه البيع بينهما برد المعيب من الدراهم، وإن شاء كان على شركته فيما بقى له في الدينار.
فإن كان الذي وجد مشتري الدراهم في الدراهم من المردود نحاسا أو رصاصا، فإن البيع في حصة ذلك الذي وجده كذلك منتقض بينه وبين صاحبه من الدينار، وهو بقدر ذلك شريك لرب الدراهم وديناره، وله من الخيار في نقض البيع في باقي الدراهم وإمضائه على ما وصفت قبل.
وكذلك له، إن أمضى البيع في الجياد مصارفة صاحبه فيما بقي على ملكه من ديناره إن شاء، والثبات على شركته فيه على ما قد بينا قبل.
ولا معنى لقول من قال: ينتقض بوجوده بعضها نحاسا أو رصاصا، وبرده بعين الصرف في الجميع، ولا لقول من قال: إن كان المعيب المردود من ذلك ثلثا أو نصفا انتقض الصرف في الجميع، وإن كان أقل من ذلك كان لمشتري الدراهم الاستبدال، لما وصفنا من أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جعل سبب انتقاض الصرف بين المتصارفين افتراقهما بأبدانهما من غير تقابض.
فمعلوم أن حكم ما قبض من صرفها خلاف حكم ما لم يقبض منه، وأن ما تقابضاه من ذلك قبل الافتراق فماض فيه الصرف، وأن ما لم يتقابضا من ذلك فهو المنتقض، لأنه الذي دخله التأخير المنهي عنه.
ويقال لمن أبطل الصرف فيما تقابض المصطرفان من أجل ما لم يتقابضا منه، أو أبطل الصرف في الجياد بوجود مشتري الدراهم في الدراهم ردودا إذا ردها،
[ ص: 756 ] أرأيت إن خالفك في ذلك مخالف، فأجاز فيما لم يتقابضا، أو فيما رد مشتري الدراهم من الزيوف الصرف لجوازه فيما كان تقابضا منه، وفيما كان من الدراهم جياد خلافا لفعلك في ذلك، إذا أبطلت ما أجازه النبي منه صلى الله عليه وسلم فيما كان ناجزا بناجز، من أجل ما كان منه ناجزا بغائب، هل بينك وبينه فرق من أصل أو نظير، وكلاكما قد خالف ظاهر ما دل عليه خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فلن يقول في ذلك قولا إلا عورض في الآخر بمثله.
وكالقول في صرف الدراهم بالدنانير، القول في كل ما لا يجوز بيع أحدهما بالآخر نساء، ولم يكن جائزا إلا يدا بيد