القول فيما في هذا الخبر
في الفقه والذي في هذا الخبر من الفقه تصحيح قول من قال:
كل عامل عمل عملا فهو وإن كان في رأي العين عند من يراه على وجه فإنه فيما بين العامل وبين ربه على ما صرفه إليه بنيته ونواه بقلبه ، لا على ما يبدو لعين من يراه.
فإن كان ذلك كذلك فبين فساد قول من قال: إذا غسل غاسل أعضاء الوضوء وهو ينوي بغسله إياها تعليم جاهل ، أو تبردا من حر أصابه ، أو يطهرها من نجاسة أصابته ، لا يقصد بغسلها أداء فرض الله الذي أوجب عليه بغسله إياها ، أنه مؤد بغسله ذلك كذلك الفرض الذي ألزمه الله من غسلها ، وأن
من صام شهر رمضان بنية قضاء من واجب عليه من نذر أو غيره ، أو بنية التطوع ، أنه يجزئ عنه من فرضه الواجب عليه من صوم شهر رمضان ،
ومن حج أو اعتمر ، ممن لم يحج أو يعتمر ، ينوي بحجه أو عمرته الحج والعمرة عن غيره ، أنه يجزئه من فرضه الواجب من الحج أو العمرة ، إذ كان صلى الله عليه وسلم قد جعل عمل كل عامل عمل عملا مصروفا إلى ما صرفه إليه العامل بنيته فأراده بقلبه دون غيره ، مما يبدو لرأي العين فيما بينه وبين ربه.
وذلك أن الأغلب من الهجرة من دار الشرك إلى دار الإسلام مفارقا دين المشركين ودارهم في الظاهر ، إنما يكون من فاعله رغبة في الإسلام وبراءة من الكفر ، فقد جعله صلى الله عليه وسلم ، وإن كان ذلك الأغلب على
[ ص: 788 ] الناس ، مصروفا أمر فاعل ذلك إلى ما نواه بقلبه وأراده في نفسه ، فإن كانت هجرته رغبة في الإسلام وبراءة من الكفر ، فهجرته هنالك هجرة إلى الله ورسوله ، وإن كانت هجرته تطلب دنيا أملها أو امرأة أراد نكاحها والوصول إليها ، فهجرته لما هاجر له ، وليست بالهجرة التي أمر الله بها عباده ووعدهم عليها الجزيل من الثواب.
فكذلك الصائم شهر رمضان بنية التطوع وقضاء النذر ، والغاسل أعضاء الوضوء ، والمتجرد من ثيابه المحرم بحج أو عمرة ينوي بذلك الحج أو العمرة عن غيره ، وإن كان قد فعل هذا في شهر رمضان ما يفعله الصائم الصوم الذي أمره الله به في الظاهر ، وغسل هذا من الأعضاء ما أمر الله المتطهر بغسله منها ، وفعل هذا في إحرامه ، ما يفعله الحاج الذي أمره الله جل ثناؤه أن يفعله في حجه الفرض ، فإنه غير قاض ما عليه من فرض الله؛ لأن عمله الذي عمله لما نواه وأراده دون ما لم ينوه ولم يرده.
ولو كان جائزا صرف عمله الذي عمله بغير نية أداء فرض الله الذي ألزمه إياه ، لموافقته في الظاهر عمل من عمل ذلك مريدا به أداء فرض الله الواجب عليه ، جاز صرف عمل من عمل ذلك وغيره من الأعمال التي ألزم الله عباده فرضها بنية أداء فرض الله عليه من ذلك ، إلى غير الذي نواه وأراده ، حتى يكون وإن أصاب في عمله ذلك جميع شرائطه التي ألزمها الله إياه غير قاض ما عليه من فرض ذلك ولا مؤد ما لزمه منه.
وفي إجماع الجميع على فساد القول بذلك الدليل الواضح على
فساد قول [ ص: 789 ] من قال: إن من عمل عملا من فرائض الله التي ألزم عباده عملها بأبدانهم ناويا بعمله غير أداء فرضه ، أنه مجزئ عنه من فرضه ، عن ابتدائه نوى ذلك كذلك أو في وسطه أو في آخره.