تهذيب الآثار للطبري

الطبري - محمد بن جرير الطبري

صفحة جزء
القول في البيان عما في الأخبار التي ذكرناها من الغريب

فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي: "اجعلهن الزهر البيض" وعنى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: الزهر ، إما جمع زهراء أو أزهر ، والزهراء البيضاء النقية البياض في حسن يقال منه: هذه امرأة زهراء ، وهذا رجل أزهر ، وذلك إذا كان الغالب على ألوانهما البياض في حسن وبهاء ، ومنه الخبر عن أنس: [ ص: 865 ] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أزهر اللون ، وعن علي بن أبي طالب في صفة النبي: أنه كان أزهر اللون ، ومنه قول أبي دهبل الجمحي في صفة جارية:


وهي زهراء مثل لؤلؤة الغواص ميزت من جوهر مكنون

ومنه قول الأعشى في صفة إبريق:


إذا انكب أزهر بين السقاة     تراموا به غزبا أو نضارا

ومنه قيل للسراج إذا كان يضيء: هو يزهر ، وأرى أن النجم الذي يسمى الزهرة سمي زهرة لإضاءته وصفاء نوره.

وأما قوله: الغر فإنه عنى بالغر إما جمع غراء أو أغر ، والأغر الأبيض الحسن ، ومن ذلك قيل للثنايا إذا كانت بيضا حسانا: هن غر: ومنه قول جرير بن عطية في صفة أسنان امرأة:


تجري السواك على أغر كأنه برد     تحدر من متون غمام

ومن ذلك قيل للفرس إذا كان في أرساغه أو في وجهه بياض يخالف لون سائر جلده: أغر ، ومنه قول الشاعر: [ ص: 866 ]

وما ينظر الحكام بالفصل بعدما     بدا واضح ذو غرة وحجول

ومنه قول الآخر:

كذبتم ، وبيت الله ، لا تقتلونه     ولما يكن يوم أغر محجل

ومنه الخبر الذي روي عن أبي موسى الأشعري: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بإبل غر الذرى ، يعني بذلك بيض الأسنمة.

وسمى النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأيام الثلاثة ، أعنى الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر بيضا ، وإنما الموصوف بذلك ليالي هذه الأيام الثلاثة ، إذ كانت الأيام إذا جمعت دخل النهار مع الليل في العدد ، فيقال: كنا بمكان كذا عشرة أيام ، يعني بذلك: الليالي والأيام فلذلك قيل: الأيام البيض ، وإن كانت العرب إنما تصف بذلك ليالي هذه الأيام ، وإنما قيل لهذه الليالي الثلاث: بيض لبياضهن بطلوع القمر فيهن من حين تغيب الشمس إلى أن يضيء الفجر ، فيغلب ضوءه على ضوء القمر ، ولكل ليلة من هذه الليالي عند العرب اسم ، فليلة الثلاث عشرة تسميها ليلة السواء ، لأنه يستوي فيها القمر ويعتدل ويتناهى تمامه ، وهي ليلة التمام، [ ص: 867 ] يقال: هذه ليلة تمام القمر ، وذلك وفاء ثلاث عشرة ، وأما ليلة الأربع عشرة ، فإنها تسمى ليلة البدر ، لأن القمر يبادر الشمس بالغداة ويطلع بالعشي قبل غروبها ، وأما ليلة الخمس عشرة فليلة النصف.

وأما قول أنس بن مالك: فسعى عليه القوم فلغبوا ، فإنه يعني بقوله: لغبوا ، نصبوا وتعبوا ، يقال منه: قد لغب فلان فهو يلغب لغبا ولغوبا ، إذا أعيى ونصب ومن اللغوب قوله جل ثناؤه: وما مسنا من لغوب يعني: من عناء ونصب ، وأما قول خزيمة بن جزء ، قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: جئت أسألك عن أحناش الأرض ، فإنه يعني بالأحناش هاهنا دواب الأرض التي تدب عليها ، ويقال لجنس من الحيات معروف بأعيانها: أحناش واحدها حنش ، وذلك لها اسم ، وأما قول جابر بن عبد الله: فذكاهما بمروة فإنه يعني بالمروة حجرا صغيرا ، وجمعها مرو ، والمرو عند العرب هي الحصا الصغار ، يدل على ذلك قول الأعشى في صفة ناقة :

[ ص: 868 ]

وتولي الأرض خفا ذابلا     فإذا ما صادف المرو رضح

يعني بالمرو جمع مروة ، ومن المروة قول أبي ذؤيب الهذلي:

حتى كأني للحوادث مروة     بصفا المشرق كل يوم تقرع

وأما قول القائل لعبيد بن عمير في الأرنب: زعموا أنها تطمث ، فإن بين أهل العلم بكلام العرب فيه اختلافا فيقول بعضهم: الطمث هو الجماع الذي يكون معه تدمية المجامعة ، ويقول: ذلك الدم الذي يظهر من فرج الأنثى مع الجماع هو الطمث ويقول آخرون: بل الطمث هو المسيس والمباشرة ، وحكى قائل ذلك [ ص: 869 ] عن العرب سماعا أنها تقول: ما طمث هذا البعير حبل قط ، بمعنى ما مسه حبل قط ، وقال آخرون: الطمث هو الحيض بعينه ، والذي خاطب عبيد بن عمير بالذي ذكرناه لا نراه أراد إلا الحيض ، وأما الذي ذكره الله جل ثناؤه في كتابه فقال: لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ، فإنه محتمل هذه الأوجه كلها وقد بينا في كتابنا جامع البيان عن تأويل آي القرآن الصواب من القول فيه [ ص: 870 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية