القول في البيان عما في الأخبار التي ذكرناها من الغريب
فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي:
"اجعلهن الزهر البيض" وعنى النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: الزهر ، إما جمع زهراء أو أزهر ، والزهراء البيضاء النقية البياض في حسن يقال منه: هذه امرأة زهراء ، وهذا رجل أزهر ، وذلك إذا كان الغالب على ألوانهما البياض في حسن وبهاء ، ومنه الخبر
nindex.php?page=hadith&LINKID=889206عن أنس: [ ص: 865 ] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أزهر اللون ،
nindex.php?page=hadith&LINKID=889206وعن nindex.php?page=showalam&ids=8علي بن أبي طالب في صفة النبي: أنه كان أزهر اللون ، ومنه قول
أبي دهبل الجمحي في صفة جارية:
وهي زهراء مثل لؤلؤة الغواص ميزت من جوهر مكنون
ومنه قول
الأعشى في صفة إبريق:
إذا انكب أزهر بين السقاة تراموا به غزبا أو نضارا
ومنه قيل للسراج إذا كان يضيء: هو يزهر ، وأرى أن النجم الذي يسمى الزهرة سمي زهرة لإضاءته وصفاء نوره.
وأما قوله: الغر فإنه عنى بالغر إما جمع غراء أو أغر ، والأغر الأبيض الحسن ، ومن ذلك قيل للثنايا إذا كانت بيضا حسانا: هن غر: ومنه قول
جرير بن عطية في صفة أسنان امرأة:
تجري السواك على أغر كأنه برد تحدر من متون غمام
ومن ذلك قيل للفرس إذا كان في أرساغه أو في وجهه بياض يخالف لون سائر جلده: أغر ، ومنه قول الشاعر:
[ ص: 866 ] وما ينظر الحكام بالفصل بعدما بدا واضح ذو غرة وحجول
ومنه قول الآخر:
كذبتم ، وبيت الله ، لا تقتلونه ولما يكن يوم أغر محجل
ومنه الخبر الذي روي عن
nindex.php?page=showalam&ids=110أبي موسى الأشعري: أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بإبل غر الذرى ، يعني بذلك بيض الأسنمة.
وسمى النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأيام الثلاثة ، أعنى الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر بيضا ، وإنما الموصوف بذلك ليالي هذه الأيام الثلاثة ، إذ كانت الأيام إذا جمعت دخل النهار مع الليل في العدد ، فيقال: كنا بمكان كذا عشرة أيام ، يعني بذلك: الليالي والأيام فلذلك قيل: الأيام البيض ، وإن كانت العرب إنما تصف بذلك ليالي هذه الأيام ، وإنما قيل لهذه الليالي الثلاث: بيض لبياضهن بطلوع القمر فيهن من حين تغيب الشمس إلى أن يضيء الفجر ، فيغلب ضوءه على ضوء القمر ، ولكل ليلة من هذه الليالي عند العرب اسم ، فليلة الثلاث عشرة تسميها ليلة السواء ، لأنه يستوي فيها القمر ويعتدل ويتناهى تمامه ، وهي ليلة التمام،
[ ص: 867 ] يقال: هذه ليلة تمام القمر ، وذلك وفاء ثلاث عشرة ، وأما ليلة الأربع عشرة ، فإنها تسمى ليلة البدر ، لأن القمر يبادر الشمس بالغداة ويطلع بالعشي قبل غروبها ، وأما ليلة الخمس عشرة فليلة النصف.
وأما قول
nindex.php?page=showalam&ids=9أنس بن مالك: فسعى عليه القوم فلغبوا ، فإنه يعني بقوله: لغبوا ، نصبوا وتعبوا ، يقال منه: قد لغب فلان فهو يلغب لغبا ولغوبا ، إذا أعيى ونصب ومن اللغوب قوله جل ثناؤه:
وما مسنا من لغوب يعني: من عناء ونصب ، وأما قول خزيمة بن جزء ، قلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: جئت أسألك عن أحناش الأرض ، فإنه يعني بالأحناش هاهنا دواب الأرض التي تدب عليها ، ويقال لجنس من الحيات معروف بأعيانها: أحناش واحدها حنش ، وذلك لها اسم ، وأما قول جابر بن عبد الله: فذكاهما بمروة فإنه يعني بالمروة حجرا صغيرا ، وجمعها مرو ، والمرو عند العرب هي الحصا الصغار ، يدل على ذلك قول
الأعشى في صفة ناقة :
[ ص: 868 ] وتولي الأرض خفا ذابلا فإذا ما صادف المرو رضح
يعني بالمرو جمع مروة ، ومن المروة قول
أبي ذؤيب الهذلي: حتى كأني للحوادث مروة بصفا المشرق كل يوم تقرع
وأما قول القائل
لعبيد بن عمير في الأرنب: زعموا أنها تطمث ، فإن بين أهل العلم بكلام العرب فيه اختلافا فيقول بعضهم: الطمث هو الجماع الذي يكون معه تدمية المجامعة ، ويقول: ذلك الدم الذي يظهر من فرج الأنثى مع الجماع هو الطمث ويقول آخرون: بل الطمث هو المسيس والمباشرة ، وحكى قائل ذلك
[ ص: 869 ] عن العرب سماعا أنها تقول: ما طمث هذا البعير حبل قط ، بمعنى ما مسه حبل قط ، وقال آخرون: الطمث هو الحيض بعينه ، والذي خاطب
nindex.php?page=showalam&ids=16531عبيد بن عمير بالذي ذكرناه لا نراه أراد إلا الحيض ، وأما الذي ذكره الله جل ثناؤه في كتابه فقال:
لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان ، فإنه محتمل هذه الأوجه كلها وقد بينا في كتابنا جامع البيان عن تأويل آي القرآن الصواب من القول فيه
[ ص: 870 ]