تهذيب الآثار للطبري

الطبري - محمد بن جرير الطبري

صفحة جزء
القول في البيان عما في هذه الأخبار من الغريب

فمن ذلك قول عمر لعبد الرحمن: فهبني صمتا حتى أعهد إلى النفر الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، يعني بقوله: هبني، هب لي، كما يقال: صادني صيدا، بمعنى: صاد لي كما قال نابغة بنى ذبيان:


فتصيدنا العير المدل بحضره قبل الونى، والأشعب النباحا

وهذه كلمة لا أذكر أنى سمعتها إلا في هذا الحديث، فإن كانت محفوظة، فجائز في الكلام أن يقال: وهبت له درهما ووهبته درهما، كما يقال: صدته صيدا، وصدت له صيدا، وشكرته صنيعه، وشكرت له صنيعه، كما قال أبو نخيلة السعدي:


شكرتك، إن الشكر حبل من التقى     وما كل من أوليته نعمة يقضي

فقال: شكرتك، وهو في كتاب الله عز وجل: واشكروا له ، [ ص: 935 ] وأما قول أبي عبيدة بن الجراح لعمر: ما رأيت منك فهة، يعني بقوله: فهة، زلة وسقطة، يقال فه فلان فهو يفه فها وفهاهة، والفهة الفعلة منه، وقد فههت يا فلان، وأنت رجل فه وفهيه، ومنه قول الشاعر:


فلم تلفني فها، ولم تلف حجتي     ملجلجة أبغي لها من يقيمها

وأما قول عبد الله: ما ألونا عن أعلاها ذا فوق، فإنه يعني بقوله: ما ألونا، ما قصرنا ، وما تركنا الجهد، وفيه لغتان: ما ألونا بالتخفيف، ما ألونا، بالتشديد ويقال منه: ألا فلان في هذا الأمر، وألا، إذا قصر وترك جهده، ومن التشديد في ذلك قول العجاج:


وعظة إن نفس حر بلت     أو أدركت بالجهد ما قد ألت

يعني بقوله: ما قد ألت، ما قد تركت الجهد ، وأما هذيل، فإن في لغتها إذا قالت: ما آلوه ما أستطيعه، ومن ذلك قول شاعرهم: [ ص: 936 ]

جهراء لا تألو إذا هي أظهرت     بصرا ولا من عيلة تغنيني

يعني بقوله: لا تألوا بصرا، لا تستطيع.

وقد تستعمل العرب ذلك إذا شددوا اللام منه في غير هذا المعنى، فتقول: قد أل فلان فهو يئل ألا، بتشديد اللام، وذلك إذا مر مرا سريعا فويق العنق.

وأما قولهم: آل، بمد الألف وتخفيف اللام، فإنه من غير هذا كله، وله معنيان: أحدهما: الرجوع، يقال في ذلك: آل فلان يئول أولا، وذلك إذا رجع، وآل القطران إذا خثر.

والثاني قولهم: آل فلان ماله، فهو يؤوله، وذلك إذا أصلحه وأحسن سياسته، ومنه قول لبيد بن ربيعة العامري:


بصبوح غانية وجذب كرينة     بموتر تأتاله إبهامها

يعني بقوله: تأتاله تصلحه، وهو يفتعله من آل كما يقال: هو يقتاله من قلت، ويكتاله، من كلت.

وأما قولهم: قد وأل فلان فهو من غير ذلك كله، وإنما يقال ذلك للرجل إذا نجا بنفسه من مخافة، فصار في حرز، والحرز هو الموئل، يقال منه: وأل فلان فهو يئل وألا ووءولا، ومنه قول أعشى بنى ثعلبة:

وقد أخالس رب البيت غفلته     وقد يحاذر مني ثم ما يئل

[ ص: 937 ] يعني بقوله: ثم ما يئل ثم ما ينجو ولا يتحرز، وأما قوله: عن أعلاها ذا فوق، فإنه يعني بقوله: "عن أعلاها" عن أعلى الأمة، والهاء في أعلاها كناية عن الأمة، ويريد بقوله: عن أعلاها، عن أرفعها وأفضلها.

وأما قوله: "ذا فوق" فإنه يعني سهما قد أصلح فوقه، وفوق السهم مجرى الوتر فيه، والفوق جمع واحده فوقة، يدل على ذلك قول الفرزدق:


ولكن وجدت السهم أهون فوقة     عليك، وقد أودى دم أنت طالبه

وقد يجمع الفوقة فوق وأفواق، ومن الفوق قول رؤبة بن العجاج:


كسر من عينيه تقويم الفوق     وما بعينيه عواوير البخق

وفي الفوق لغة أخرى، وهو الفقا مقلوب، يقال: هذه فوقها وفقاها، ومن الفقا قول الشاعر:


ونبلي وفقاها كعرا     قيب قطا طحل

[ ص: 938 ] وهذا الجمع على أن واحده فقوة.

وقد ذكر بعضهم عن المفضل الضبي أنه كان ينشد بيت الفرزدق الذي ذكرناه قبل: "أهون فقوة عليك" ، وكأن من قال: "فقوة" قلب الحرف، فنقل اللام إلى موضع العين من الاسم، كما يقال: جذبه فلان وجبذه.

وإنما أراد عبد الله فيما نرى بقوله هذا، والله أعلم: ما قصرنا ولا تركنا الجهد عن الاختيار للأمة أفضلها وأرفعها سهما ونصيبا وحظا في الإسلام والخير والسابقة والفضل.

التالي السابق


الخدمات العلمية