تهذيب الآثار للطبري

الطبري - محمد بن جرير الطبري

صفحة جزء
القول في البيان عما في هذه الأخبار من الغريب

فمن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني بك أصول" ، يعني صلى الله عليه وسلم بقوله: "بك أصول" ، بك أسطو على أعدائك، يقال للفحل من الإبل إذا عدا على آخر، واثبا عليه بالعض: صال عليه، ومنه قول عمرو بن كلثوم التغلبي:


فصالوا صولهم فيمن يليهم وصلنا صولنا فيمن يلينا     فآبوا بالنهاب وبالسبايا
وأبنا بالملوك مصفدينا

يعني بقوله: آبوا: رجعوا.

يقال منه: آب فلان من سفره فهو يؤوب أوبا وإيابا، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "توبا لربنا أوبا" ، يعني بالأوب: الرجوع.

وأما قوله "لا يغادر حوبا" ، فإنه يعني به: لا يدع ذنبا، يقال منه: غادر فلان فلانا بموضع كذا: إذا تركه، ومنه قول النابغة الذبياني:


فغادرهن منعفرا زهيقا     وآخر مثبتا يشكو الجراحا

[ ص: 103 ] والحوب: مصدر من قول القائل: "حاب فلان فهو يحوب حوبا وحوبا" ، ومنه قول أمية بن الأسكر:


وإن مهاجرين تكنفاه     عباد الله، قد خطئا وحابا

وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر" فإنه يعني بالوعثاء الشدة والمشقة، ومنه قول أعشى بني ثعلبة:


إذا كان هادي الفتى في البلاد     صدر القناة أطاع الأميرا
وخاف العثار إذا ما مشى     وخال السهولة وعثا وعورا

ومنه أيضا قول الكميت بن زيد:


وأين ابنها منا ومنكم، وبعلها     خزيمة، والأرحام وعثاء حوبها

وإنما الوعثاء من الوعث، وهو الدهس يشتد فيه المشي، فيضرب مثلا في كل شديدة شاقة على عاملها.

وأما الكآبة، والحور بعد الكون، وقوله: اللهم ازو لنا الأرض ، فقد بينت معاني ذلك كله قبل، فيما مضى من كتابنا هذا [ ص: 104 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية