تهذيب الآثار للطبري

الطبري - محمد بن جرير الطبري

صفحة جزء
القول في البيان عن وجه اختلاف نقلة هذه الأخبار في الذي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى للنداء بما ذكر فيها

إن قال لنا قائل: ما أنت قائل في هذه الأخبار التي رويتها لنا؟ فإن قلت: إنها صحاح، قلنا لك: فما وجه اختلاف رواتها في المنادي الذي نادى بالنهي عن صوم أيام التشريق، عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه بذلك؟ وإن قلت: إنها غير صحاح، قيل: فما وجه ذكرك لها، وقد شرطت لنا في أول كتابك هذا أنك لا ترسم لنا فيه إلا ما كان عندك صحيحا؟ [ ص: 272 ] قيل: أما الأخبار التي ذكرناها، فإن منها عندنا صحاحا، ومنها غير صحاح، ولم نذكر ما كان منها عندنا غير صحيح استشهادا به على دين، ولا على الوجه الذي شرطنا في أول كتابنا هذا أنا لا نذكره إذ كان الذي شرطنا في أول كتابنا هذا ترك ذكره فيه، وهو ما لا نراه في الدين حجة، إلا الحكاية عمن احتج به في توهين خبر، أو تأييد مقالة هو بها قائل، عند ذكرنا مقالته، وما اعتل به لها.

وإنما أحضرنا ذكر ما لم نر من هذه الأخبار صحيحا في هذا الموضع، لاعتلال من اعتل به في توهين خبر يوسف بن مسعود الثقفي ، الذي رواه يحيى بن سعيد حكاية عنه، لا احتجاجا به منا.

على أن ذلك كله - لو كان صحيحا - لم يكن في اختلاف الرواة في اسم الذي سمعوه ينادي بما ذكرنا يومئذ ما يوهن الخبر، ولا يزيله عن أن يكون حجة على من دان بتصحيح القول بخبر الواحد العدل ، وذلك أنه جائز أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه ذلك اليوم كل رجل ممن ذكر أنه سمع ذلك اليوم ينادي بما كان ينادي به في ناحية من نواحي منى، فسمع أهل كل ناحية منها من وجه إليها، فأخبروا باسم من سمعوه ينادي بذلك. وذلك، إذا كان كذلك، لم يكن اختلافا، بل يكون تأييدا وتوكيدا، وغير جائز حمل ما حملته الثقات من الآثار على الفاسد من الوجوه، ولها في الصحة مخرج.

وقد مضى قبل ذكر الأخبار الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي عن صوم الأيام المنهي عن صومها، وذكر أخبار المختلفين من السلف في ذلك، وذكر القول الذي نراه فيه صوابا، بعلله وشواهده، فكرهنا إعادته ?

[ ص: 273 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية