تهذيب الآثار للطبري

الطبري - محمد بن جرير الطبري

صفحة جزء
ذكر البيان عما في هذه الأخبار من الغريب

فمن ذلك قول عمر رحمه الله في لحم الضب: إنما عافه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يعني بقوله: عافه: كرهه، يقال منه: عاف فلان هذا الشيء فهو يعافه عيفا، وعيوفا، ومنه قول أعشى بني ثعلبة:


لكالثور يوم الورد يضرب ظهره وما ذنبه أن عافت الماء مشربا     وما ذنبه أن عافت الماء باقر
وما إن تعاف الماء إلا ليضربا

[ ص: 198 ] ومنه قول نابغة بني ذبيان:

دعته نية عنا قذوف     وعاف البشر فانتجع الملاحا

والعيافة غير هذا المعنى، وهي شبيهة الكهانة وزجر الطير والسوانح والبوارح، يقال منه: عاف العائف، فهو يعيف عيافة، ومنه أيضا قول أعشى بني ثعلبة:


ما تعيف اليوم في الطير الروح     من غراب البين أو تيس برح

وأما قول ابن عباس: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما أغسق، فإنه كما قال.

معناه: إذا أظلم، يقال منه: غسق الليل يغسق غسوقا، ومنه قول عمر بن الخطاب: أخروا السحور، وعجلوا الإفطار، ولا تفطروا حتى تروا الليل يغسق على الظراب.

ومنه أيضا قول الله عز وجل: ومن شر غاسق إذا وقب ، يعني بذلك: من شر مظلم إذا هجم بظلامه .

[ ص: 199 ] وأما قول خالد بن الوليد: فوجد عندهم ضبا محنوذا، فإنه يعني بالمحنوذ: المشوي، الذي قد أنضج شيا.

وقد اختلف أهل المعرفة بكلام العرب في معنى ذلك، فقال بعضهم: معنى المحنوذ: المشوي، وقال: يقال منه: حنذت فرسي: بمعنى سخنته وعرقته، واستشهد لقوله ذلك ببيت العجاج:


وفرغا من رعي ما تلزجا     ورهبا من حنذه أن يهرجا

وقال الآخرون منهم: الحنذ: التعريق.

وقال آخرون منهم: كل شيء شوي في الأرض إذا خدت له فيها فدفن فيها وغمم فهو المحنوذ، وقال: تحنيذ الخيل: إلقاء الجلال بعضها على بعض عليها لتعرق، وذكر عن العرب أنها تقول: إذا سقيته فأحنذ: يعني اخفس، يراد به: أقل الماء وأكثر النبيذ.

وهذه أقوال -وإن اختلفت ألفاظ قائليها -متقاربات المعاني، والحنذ: هو ما وصفت في هذا الموضع، أعني في قول خالد بن الوليد: [ ص: 200 ] فوجد عندها ضبا محنوذا، ومنه قول الله تعالى ذكره: فما لبث أن جاء بعجل حنيذ ، يعنى به: بعجل نضيج، قد أنضج شيا.

التالي السابق


الخدمات العلمية