فإذا كان ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحا،
فأحب المجالس إلينا أن يجلسه المرء ما كان مقابل القبلة في بعض الأحوال، وذلك إذا كان منفردا في مجلسه، ولم يكن شيء يدعوه إلى استدبارها ، ولست وإن اخترت ذلك أكره الجلوس مستدبر القبلة لمن جلسه في الحال التي به الحاجة إلى الجلوس كذلك لسبب يدعوه إليه.
أما الجلوس بين يدي عالم أو ذي سلطان أو حاكم، أو بين يدي من به الحاجة إلى الجلوس بين يديه، كذلك عند انصرافه من صلاته في حال يكون فيها إمام قوم....
[ ص: 539 ] وإنما اخترت الجلوس بين يدي العالم أو ذي سلطان أو بين يدي من دعا المرء إلى الجلوس بين يديه كذلك؛ للذي ذكر
البراء في حديثه أنهم جلسوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبل القبلة، فمعلوم أنهم إذ جلسوا حوله وهو جالس مستقبل القبلة أن من كان منهم بين يديه جالسا، كان لا شك جلوسه مستدبر القبلة، لأنهم لم يكونوا يولون رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهورهم إذا جلسوا بين يديه، بل كانوا يستقبلونه بوجوههم، وفي استقبالهم إياه بوجوههم في حال ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبل القبلة بوجهه استدبارهم القبلة بأدبارهم في مجالسهم.
وفي ذلك دليل على صحة ما قلنا من
أن استقبال القبلة بالوجه، إنما هو اختيار لمن كان لا يدعوه سبب من الأسباب التي ذكرنا وما أشبهه إلى استدبارها.