تهذيب الآثار للطبري

الطبري - محمد بن جرير الطبري

صفحة جزء
القول في البيان عما في هذه الأخبار التي ذكرناها من الغريب

فمن ذلك قول البراء بن عازب: فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، واللحد: هو القبر يحفر للموت معترضا في جانب، وفيه لغتان: لحد، بفتح اللام: هي لغة تميم، ولحد بضمها: وهي لغة أهل العالية، وكل مائل إلى جانب فهو لاحد إليه وملحد.

يقال منه: قد لحد فلان إلى كذا وكذا، فهو يلحد إليه لحدا، إذا مال إليه وألحد إليه، فهو يلحد إلحادا، ومنه قول الله تعالى ذكره: ومن يرد فيه بإلحاد بظلم يعني بقوله: بإلحاد، يميل إلى الظلم، ومنه قول الراجز:


قدني من نصر الخبيبين قدي ليس أميري بالشحيح الملحد

يعني بالملحد: المائل إلى الظلم، ومنه قيل للمائل إلى غير الحق في الدين ملحد، ومن اللحد قول الأخطل:


أما يزيد فإني لست ناسيه     حتى يغيبني في الرمس ملحود

يعني بالملحود: قبرا محفورا على ما وصفت.

ومن الإلحاد قول الآخر: [ ص: 609 ]

يا ويح أنصار النبي ورهطه     بعد المغيب في سواء الملحد

يعني بالملحد: القبر المحفور.

ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "معهم سرابيل من قطران" ، والسرابيل " جمع سربال، وهو القميص وما يلبس من شيء، ومنه قول الشاعر:


لعمرك ما تبلى سرابيل عامر     من اللؤم ما دامت عليها جلودها



ومنه قول امرئ القيس:


ومثلك بيضاء العوارض طفلة     لعوب تنسيني إذا قمت سربالي



وأما القطران: فهو الذي تهنأ به الإبل، وفيه لغات ثلاث: قطران، وقطران، بفتح القاف وتسكين الطاء، وقطران، بكسر القاف وتسكين الطاء، ومن القطران بكسر القاف وتسكين الطاء قول أبي النجم العجلي:

[ ص: 610 ]

جون كأن العرق المنتوحا     ألبسه القطران والمسوحا



وأما القطران، بفتح القاف وكسر الطاء، فمن قول الله تعالى ذكره: سرابيلهم من قطران ، وقد كانت جماعة من السلف تقول في القطران الذي ذكره الله عز وجل في هذه الآية: إنه النحاس المذاب، وممن قال بذلك مجاهد ، وقتادة ، وأما المعروف عند العرب من القطران فهو ما ذكرت.

ومنه قوله: "فتخرج منه كأطيب نفحة مسك" ، يعني بالنفخة: ما خص به المسك من طيب الريح، وكذلك كل ذي حظ من شيء وقسم ونصيب، فهو ذو نفحة منه، ومنه قول الله تعالى ذكره: ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك يعني به نصيبا منه وقسما.

وأما قوله: "يلحفان الأرض بشعورهما" ، فإنه يعني: يغطيانها بها، ومن ذلك قيل للحاف ، لحاف، لتغطيته ما تحته، ومنه قيل للملحفة، ملحفة.

[ ص: 611 ] ومنه قوله: "أصواتهما كالرعد القاصف" ، وهو الرعد الشديد الصوت التي تقصف صواعقه ما أصابته وتدقه وتحطمه، ومنه قولهم: قصف فلان ظهر فلان، يقصفه، وذلك إذا كسره ودقه، يقال منه: سمعت قصيف الرعد ووئيده ووأده ورزمته وهزمته، كل ذلك شدة صوته، ومن القاصف قول الله عز ذكره: فيرسل عليكم قاصفا من الريح .

التالي السابق


الخدمات العلمية