لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

صفحة جزء
( تتمة في سبب خروجهم وإفسادهم وإهلاكهم )

اعلم أولا أن الإسكندر بنى الردم الذي سد به على يأجوج ومأجوج كما ذكر الله تعالى ذلك في محكم الذكر في قوله سبحانه : ( قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض ) بالقتل والتخويف وإهلاك الزرع وفعل الخبيث ( فهل نجعل لك خرجا ) أي جعلا نخرجه لك من أموالنا ، وقرأ حمزة والكسائي وخلف ( خراجا ) بفتح الراء وألف بعدها وهو المال المضروب على الأرض يؤدى في كل عام ( على أن تجعل بيننا وبينهم سدا ) [ ص: 118 ] أي حاجزا فلا يصلون إلينا ( قال ) ذو القرنين ( ما مكني فيه ربي ) من القوة والعلم وطلب ثوابه والمال ونفوذ المقال ( خير ) أي أفضل مما تعطونني أنتم ( فأعينوني بقوة ) أي آلة أتقوى بها وفعل منكم ( أجعل بينكم وبينهم ردما ) هو أكبر وأعظم من السد جاءوه بذلك فحفر ما بين الصدفين يعني الناحيتين من الجبلين لأنهما يتصادفان أي يتقابلان حتى بلغوا الماء ثم قال ( آتوني زبر الحديد ) أي القطع التي أعدها لذلك فجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد بعضها فوق بعض وجعل بينهما الحطب والفحم ( حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا ) فنفخوا النار ( حتى إذا جعله ) أي الحديد ( نارا ) أي كالنار ( قال آتوني أفرغ عليه قطرا ) أي أصب عليه نحاسا مذابا فجعلت النار تأكل الحطب وتصير النحاس مكان الحطب حتى لزم الحديد النحاس وكان طوله مائة فرسخ وعرضه خمسين ذراعا وارتفاعه مائتي ذراع وطول الجبلين اللذين بنى بينهما مائة فرسخ ( فما اسطاعوا أن يظهروه ) أي يعلوه من فوقه لملاسته ورفعته ( وما استطاعوا له نقبا ) أي خرقا لصلابته وسمكه ثم قال ( هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا ) .

وقد روى البزار من حديث يوسف ابن مريم الحنفي قال بينما أنا قاعد مع أبي بكرة رضي الله عنه إذ جاء رجل فسلم عليه فقال أما تعرفني ؟ فقال له أبو بكرة أنت هو ؟ قال نعم ، فقال اجلس حدثنا فقال : انطلقت إلى أرض ليس لأهلها إلا الحديد يعملونه فدخلت بيتا فاستلقيت على ظهري وجعلت رجلي على جداره فلما كان عند غروب الشمس سمعت صوتا لم أسمع مثله فرعبت فقال لي رب البيت لا تذعرن فإن هذا لا يضرك ، هذا صوت قوم ينصرفون هذه الساعة من عند هذا السد أفيسرك أن تراه ؟ قلت نعم ، قال فغدوت فإذا لبنه من حديد كل واحدة مثل الصخرة وإذا كأنه البرد المحبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من سره أن ينظر إلى رجل قد أتى الردم فلينظر إلى هذا " قال أبو بكرة صدقت .

وذكر أهل التاريخ أن الإسكندر وجد هناك معدنين فاستخرج منهما ما كفاه من الحديد والنحاس وكان مكان السد جبلان متقابلان أملسان كالحائط يزلق عنهما [ ص: 119 ] كل شيء لا يرتقي فيهما لعلوهما وملاستهما فأمر الإسكندر الصناع فضربوا لبن الحديد طول كل لبنة ذراع ونصف وسمكها شبر .

وقد ذكر سلام الترجمان قال بعثني الواثق العباسي إلى السد وضم إلي خمسين رجلا وأعطانا مالا فما زلنا ننتقل في البلاد وتبعث الملوك معنا الأدلة إلى أن صرنا إلى أرض سوداء منتنة الريح فسرنا فيها عشرة أيام ثم صرنا إلى مدن خراب فسرنا فيها سبعا وعشرين يوما وهي التي كانت يأجوج ومأجوج يطرقونها ثم صرنا إلى حصون بالقرب من السد وفيها قوم يتكلمون بالعربية والفارسية مسلمون يقرءون القرآن فسألونا من أين أقبلتم ؟ قلنا نحن رسل أمير المؤمنين قالوا : ما سمعنا بهذا قط ، ثم صرنا إلى جبل أملس وفيه السد وهناك باب حديد مصراعان مغلقان عرض كل مصراع خمسون ذراعا في ارتفاع خمسين في ثخن خمسة أذرع وقائمتاهما في دوارة ، على الباب قفل طوله سبعة أذرع في غلظ ذراع وارتفاع القفل من الأرض خمسة وعشرون ذراعا وفوق القفل بقدر خمسة أذرع غلق طوله أكثر من طول القفل وعلى الغلق مفتاح معلق في سلسلة طولها ثمانية أذرع في استدارة أربعة أشبار وعتبة الباب عشرة أذرع ورئيس تلك الحصون يركب في كل جمعة في عشرة فوارس مع كل فارس مرزبة من حديد فيضربون القفل بتلك المرزبات ليسمعوا الصوت فيعلموا بالصوت أن هناك حفظة .

وقد أخرج الإمام أحمد والترمذي وحسنه وابن حبان والحاكم وصححاه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم " إن يأجوج مأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يخرقونه قال الذي عليهم ارجعوا فتخرقونه غدا ، فيعيده الله أشد ما كان حتى إذا بلغ مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس قال الذي عليهم ارجعوا فتخرقونه غدا إن شاء الله تعالى ، واستثنى قال فيرجعون فيجدونه كهيئته حين تركوه فيخرقونه فيخرجون على الناس " . قال الحافظ ابن حجر أخرجه الترمذي وابن ماجه والحاكم وعبد بن حميد وابن حبان كلهم عن قتادة ورجال بعضهم رجال الصحيح .

قال ابن العربي في هذا الحديث ثلاث آيات : الأولى أن الله تعالى منعهم أن يوالوا الحفر ليلا ونهارا .

الثانية منعهم أن يحتالوا [ ص: 120 ] للرقي على السد بنحو السلم والآلة فلم يلهمهم ذلك ولا علمهم إياه مع أنه ورد أن لهم أشجارا وزروعا .

الثالثة أن صدهم أن يقولوا إن شاء الله حتى مجيء الوقت المحدود . قلت : وأخل بالآية الرابعة وهي أعظمها وهي عود السد بعد الحفر حتى إذا كادوا أن يروا شعاع الشمس إلى أشد ما كان إلى أن بلغ الكتاب أجله .

وقد يقال إن فيهم من يعرف الله تعالى ويقر بقدرته ومشيئته ، ويحتمل أن تكون كلمة المشيئة جرت على لسان ذلك الوالي من غير أن يعرف معناها فيحصل المقصود ببركتها ، ويدل لهذا ما روى عبد بن حميد من طريق كعب الأحبار نحو حديث أبي هريرة وفيه فإذا جاء الأمر ألقى الله على بعض ألسنتهم نأتي غدا إن شاء الله فنفرغ منه .

وروى ابن مردويه من حديث حذيفة نحو حديث أبي هريرة وفيه يغدون فيجيئون عليه فيفتح - الحديث وسنده ضعيف .

والحاصل أنه يحتمل أن تلقى كلمة المشيئة على لسان أحدهم وهو أقوى ، ويحتمل أن يسلم واحد منهم بإلهام من الله فيقول إن شاء الله تعالى .

وفي صحيح مسلم من حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه مرفوعا بعد ذكر الدجال وقتل عيسى عليه السلام له قال ثم يأتيه - يعني عيسى - قوم وقد عصمهم الله من الدجال فيمسح وجوههم ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة بينما هم كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى أن قد أخرجت عبادا لي لا يدان لأحد بقتالهم فحرز عبادي إلى الطور ، ويبعث الله يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون - الحديث .

وفي رواية لمسلم ثم يسيرون حتى ينتهوا إلى جبل الخمر وهو جبل بيت المقدس يقولون لقد قتلنا من في الأرض هلم فنقتل من في السماء فيرمون بنشابهم إلى السماء فيرد الله عليهم نشابهم مخضوبة دما فيرغب نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه إلى الله تعالى فيرسل الله تعالى عليهم النغف - بفتح النون والغين المعجمة ففاء ، وفي رواية دود كالنغف في أعناقهم ، وهو دود يكون في أنوف الإبل والغنم الواحدة نغفة ، عن الأصمعي وعن أبي عبيدة هو الدود الأبيض يكون في النوى وما سوى ذلك من الدود فليس بنغف ، وقيل هو دود طوال سود وخضر وغبر يقطع الحوت في بطن الأرض - فيصبحون موتى كموت نفس واحدة - معناه قتلى لا يسمع لهم حس - فيقول المسلمون ألا رجل يشري لنا نفسه فينظر ما فعل هذا العدو ؟ فيتجرد رجل منهم محتسبا نفسه [ ص: 121 ] قد وطنها على أنه مقتول فينزل فيجدهم موتى بعضهم على بعض فينادي يا معشر المسلمين ألا أبشروا إن الله عز وجل قد كفاكم عدوكم ، فيخرجون من مدائنهم وحصونهم ويسرحون مواشيهم فما يكون لها مرعى إلا لحومهم فتشكر منه - بفتح الكاف أي تسمن - أحسن ما شكرت عن شيء وحتى إن دواب البحر تسمن وتشكر شكرا من لحومهم ودمائهم ، ويهبط نبي الله عيسى عليه السلام وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم أي ريحهم من الجيف فيؤذون الناس بنتنهم أشد من حياتهم ، فيستغيثون بالله فيبعث الله ريحا يمانية غبراء فتصير على الناس غما ودخانا ويقع عليهم الزكمة ويكشف ما بهم بعد ثلاثة أيام وقد قذفت الأرض جيفهم في البحر .

ولفظ صحيح مسلم فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله تعالى طيرا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله ثم يرسل الله مطرا لا يكن معه بيت مدر ولا وبر فيغسل الأرض حتى يتركها كالزلقة ثم يقال للأرض أنبتي ثمرك وردي بركتك فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة ويستظلون بقحفها ويبارك في الرسل - يعني اللبن - حتى إن اللقحة من الإبل لتكفي الفئام من الناس - أي الجماعة منهم - واللقحة من البقر لتكفي القبيلة من الناس واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس - الحديث .

وفي رواية فيرسل طيرا كأعناق البخت فتحملهم فترميهم إلى البحر .

وفي رواية في النار ، ويوقد المسلمون من قسي يأجوج ومأجوج ونشابهم وأترستهم سبع سنين .

قوله في الحديث كالزلفة يروى بالفاء وبالقاف . قال القاضي عياض في مشارق الأنوار ضبطناه بالوجهين عن متقني شيوخنا وبهما ذكره أهل اللغة وفسرها ابن عباس رضي الله عنهما بالمرآة ، وقاله ثعلب وأبو زيد وقال بعضهم هو بالفاء الإجانة الخضراء ، وقيل الصحفة وتفسير ابن عباس رضي الله عنهما أظهر وبالله التوفيق ، قال النواس بن سمعان رضي الله عنه كما في صحيح مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فبينما هم يعني عيسى ابن مريم وأصحابه كذلك أي في ذلك العيش الرغد وقد هلك عدوهم إذ بعث الله تعالى ريحا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة . والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية