لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

صفحة جزء
( فصل ) في ذكر فضيلة نبينا وأولي العزم وغيرهم من النبيين والمرسلين - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - :

( ( وأفضل العالم من غير امترا نبينا المبعوث في أم القرى ) )

[ ص: 295 ] ( ( وأفضل العالم ) ) العلوي والسفلي من ملك وبشر وجن في الدنيا والآخرة في سائر خلال الخير وخصال الكمال ونعوت المكارم والجمال ، ( ( من غير امترا ) ) أي من غير شك ولا ريب ، قال في القاموس : العالم الخلق كله أو ما حواه بطن الفلك ، ( ( نبينا ) ) خبر المبتدأ الذي هو أفضل العالم محمد ( ( المبعوث ) ) رسولا لكافة الناس بل للثقلين الإنس والجن قيل : والملائكة وتقدم ذلك ، ( ( في أم القرى ) ) مكة المشرفة وبكة المعظمة قال تعالى : ( لتنذر أم القرى ) يعني مكة .

قال الحافظ ابن الجوزي في كتابه مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن : في تسميتها بذلك أربعة أقوال : ( أحدها ) لأن الأرض دحيت من تحتها قاله ابن عباس - رضي الله عنهما - وقال ابن تيمية : لأنها أقدمها ، ( الثاني ) لأنها قبلة يؤمها جميع الناس ، ( الثالث ) لأنها أعظم القرى شأنا ، ( الرابع ) لأن فيها بيت الله - عز وجل - ولما اطردت العادة بأن بلد الملك وبيته هو المتقدم على الأماكن سمى أما لأن الأم متقدمة .

وإنما كان أفضل خلق الله تعالى لأن الله تعالى أيده بأبهر المعجزات وأظهر الدلالات وأشهر المكرمات ، فمعجزاته أشهر المعجزات وأبهرها ، وأمته أزكى الأمم وأطهرها ، وشريعته أتم الشرائع وأشهرها ، وصفاته أكمل الصفات وأشرفها ، وأخلاقه أحسن الأخلاق وأعرفها وأوسعها ، وشيمه أعلى الشيم وأنفعها .

ومن عظم ما يدل على تعظيم نبينا وفضله على سائر الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين - أن الله - سبحانه وتعالى - أقسم بحياته ، وفي شرعه إنما تنعقد الأيمان بأسماء الله تعالى وصفاته وكلامه لا بدون ذلك ، قال الإمام الحافظ ابن الجوزي في الوفاء : أقسم الحق - عز وجل - بحياته وإنما يقع القسم بالمعظم وبالمحبوب ، قال الله تعالى : ( لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ) .

وأخرج الترمذي وغيره من حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : ما خلق الله وما ذرأ نفسا هي أكرم عليه من محمد - صلى الله عليه وسلم - وما سمعته أقسم بحياة أحد غيره فقال ( لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ) . قال الإمام ابن عقيل - رحمه الله تعالى - : وأعظم من قوله تعالى لموسى : ( واصطنعتك لنفسي ) قوله تعالى : ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) وبيان ذلك أنه جعل [ ص: 296 ] اللام في قوله واصطنعتك لنفسي التي هي للملك أو الاختصاص بينه وبينه ، ولم يجعل بينه تعالى وبين سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - واسطة بل قال : ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) وقوله تعالى : ( لا أقسم بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد ) المعنى أقسم بك لا بالبلد فإن أقسمت بالبلد فلأنك فيه ، ثم قال ابن عقيل : يا موسى اخلع نعليك ولا تجئ إلا ماشيا ، يا محمد اركب البراق ولا تجئ إلا راكبا .

وأخرج الطبراني وصححه وابن حبان من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - مرفوعا : " أتاني جبريل فقال : يقول لك ربك : أتدري كيف رفعت لك ذكرك ؟ قال : الله أعلم . قال : " إذا ذكرت ذكرت معي " . وأخرجه الشافعي وسعيد بن منصور وعبد الرزاق من طريق مجاهد ، قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : يريد الأذان والإقامة والتشهد والخطبة على المنابر ، قال : ولو أن عبدا عبد الله وصدقه في كل شيء ولم يشهد أن محمدا رسول الله لم ينتفع بشيء وكان كافرا . وقال قتادة : رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة ، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة ولا أذان إلا ينادي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ، وفيه يقول حسان بن ثابت - رضي الله عنه - :

أغر عليه للنبوة خاتم     من الله مشهود يلوح ويشهد
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه     إذا قال في الخمس المؤذن أشهد
وشق له من إسمه ليجله     فذو العرش محمود وهذا محمد

ومن مزاياه على سائر الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - أنه تعالى دعاهم بأسمائهم : ( يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة ) ، ( واذكر في الكتاب إدريس ) ، ( يا نوح اهبط بسلام منا ) ، ( يا إبراهيم أعرض عن هذا ) ، ( يا موسى إني اصطفيتك ) ، ( يا داود إنا جعلناك خليفة ) ، ( يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي ) ، ( يا زكريا إنا نبشرك ) ، ( يا يحيى خذ الكتاب ) ، ودعا نبينا محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالتعظيم والتفخيم فقال : ( يا أيها النبي ) ، ( يا أيها الرسول ) ولما ذكر اسمه قرنه بذكر الرسالة فقال تعالى : ( وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل ) ، ( محمد رسول الله والذين معه ) ، ( وآمنوا بما نزل على محمد ) ، [ ص: 297 ] ( ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله ) ، ولما ذكر الخليل وسيدنا رسول الله ذكر الخليل باسمه وذكره باللقب فقال تعالى : ( إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي ) . وقال ابن الجوزي - رحمه الله تعالى - : وكان الأنبياء - عليهم السلام - يجادلون أممهم عن أنفسهم كقول نوح : ( إنا لنراك في ضلال ) فقال دافعا عن نفسه : ليس بي ضلالة ، وقال قوم هود : إنا لنراك في سفاهة ، فقال : ليس بي سفاهة ، وقال فرعون : إني لأظنك يا موسى مسحورا ، فقال موسى : إني لأظنك يا فرعون مثبورا أي مصروفا عن الحق مطبوعا على قلبك ، وأما نبينا - صلى الله عليه وسلم - فتولى الحق سبحانه المجادلة عنه فلما قالوا : هذا شاعر . قال الله تعالى : ( وما علمناه الشعر ) ، ولما قالوا : كاهن . قال الله تعالى : ( ولا هو بقول كاهن ) ، وقالوا : ضل . فقال : ( ما ضل صاحبكم وما غوى ) ، وقالوا : مجنون . فقال : ( ما أنت بنعمة ربك بمجنون ) حتى قال تعالى : ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ) .

قال الواحدي : أعلمهم الله فضل النبي - صلى الله عليه وسلم - على سائر البرية في المخاطبة وأمرهم أن يفخموه ويشرفوه ، ولا يقولوا له عند دعائه يا محمد يا ابن عبد الله كما يدعون بعضهم بعضا ، بل يقولون يا رسول الله يا نبي الله في لين وتواضع وخفض .

وذكر ابن الجوزي في الوفاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى : ( لا تجعلوا دعاء الرسول ) الآية ، قال : كانوا يقولون يا محمد يا أبا القاسم فنهاهم الله تعالى عن ذلك إعظاما لنبيه فقالوا يا نبي الله يا رسول الله . وحكي عن الحسن نحوه ، رواه أبو نعيم ، وهذا بخلاف الأمم السالفة فإنهم كانوا يخاطبون أنبياءهم بأسمائهم .

وفضائله ومزاياه - صلى الله عليه وسلم - كثيرة شهيرة فهو أفضل خلق الله تعالى - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وصحبه . وفي صحيح مسلم وغيره من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع ومشفع " . وفي الترمذي من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " أنا أول الناس خروجا إذا بعثوا ، وأنا خطيبهم إذا وفدوا ، وأنا مبشرهم إذا أيسوا ، لواء الحمد بيدي وأنا أكرم [ ص: 298 ] ولد آدم على ربي ولا فخر " . قال ابن الأنباري : أراد لا أتبجح بهذه الأوصاف لكن أقولها شكرا ومنبها على إنعام ربي علي . وفي حديث جابر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني " .

فإن قيل : قد قال - صلى الله عليه وسلم - لمن قال له يا خير البرية : ذاك إبراهيم ، وقال : لا تخيروني على موسى . وقال : لا تفاضلوا بين الأنبياء . وقال - صلى الله عليه وسلم - : ما ينبغي لعبد أن يقول إني خير من يونس بن متى ، فالجواب أنه - صلى الله عليه وسلم - إما أن يكون قال ذلك قبل أن يعلمه الله تعالى أنه سيد الأولين والآخرين فلما أعلمه الله - سبحانه وتعالى - بذلك أخبر به ، وإما أنه قال ذلك تواضعا وتأدبا واحتراما لخلة إبراهيم - عليه السلام - وإما أنه أراد برية عصر إبراهيم ، أو أن النهي إنما هو عن تفضيل يؤدي إلى تنقيص المفضول ، أو يؤدي إلى الخصومة والفتنة كما هو المشهور في سبب ورود تلك الأحاديث ، أو لأن النهي عن التفضيل في النبوة نفسها ، وذلك قد لا يتصور فيها بل في خصائصها وتوابعها ، والحق أنه ورد النص بتفضيل بعض الرسل على بعض فقد قال تعالى : ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ) .

والحاصل أنه - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك قبل العلم بتفضيل الله له على سائر الأنبياء والرسل ، مع مراعاته لعلو مراتبهم الباذخة وجلالة مناصبهم الشامخة ، ثم أعلمه الله تعالى بأنه سيد الأولين والآخرين وأفضل جميع الأنبياء والمرسلين ، وأمر بتبليغ ذلك فبلغه كما أمر ، لأن اعتقاد ذلك حق لازم وفرض جازم مع مجانبة التفضيل المؤدي إلى تنقيص المفضول ، ومراعاة علو تلك المراتب التي لا تدرك كنه حقائقها أكثر العقول ، فالنبي المصطفى أفضل الخلق جميعا بلا خفاء - صلى الله عليه وسلم - وعلى سائر الأنبياء والمرسلين والحمد لله رب العالمين .

التالي السابق


الخدمات العلمية