لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

صفحة جزء

( ( فأثبتوا النصوص بالتنزيه من غير تعطيل ولا تشبيه ) )      ( ( فكل ما جاء من الآيات
أو صح في الأخبار عن ثقات ) )      ( ( من الأحاديث نمره كما
قد جاء فاسمع من نظامي واعلما ) )      ( ( ولا نرد ذاك بالعقول
لقول مفتر به جهول ) )      ( ( فعقدنا الإثبات يا خليلي
من غير تعطيل ولا تمثيل ) )



[ ص: 94 ] ( فـ ) إنهم : أي الأثرية من الفرقة الناجية ، ( أثبتوا النصوص ) القرآنية والأحاديث النبوية ، متمسكين ( بالتنزيه ) لله - سبحانه وتعالى ، ( من غير تعطيل ) للصفات الواردة في الكتاب العزيز والسنة الصحيحة ، وهو نفيها عنه - تعالى ، فإن المعطلين لم يفهموا من أسماء الله - تعالى - وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق ، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات ، فجمعوا بين التمثيل والتعطيل ، فمثلوا أولا وعطلوا آخرا ، فهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته - تعالى - بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم ، فعطلوا ما يستحقه - سبحانه وتعالى - من الأسماء والصفات اللائقة به - عز وجل ، بخلاف سلف الأمة وأجلاء الأئمة ، فإنهم يصفون الله - سبحانه وتعالى - بما وصف به نفسه ، وبما وصفه به نبيه - صلى الله عليه وسلم - من غير تحريف ( ولا تشبيه ) ، تعالى الله عن ذلك ، فإنه - تعالى - قال في محكم كتابه : ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) ، فرد على المشبهة بنفي المثلية ، ورد على المعطلة بقوله : ( وهو السميع البصير ) ، واعلم أن قدماء المعتزلة كأبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم ذهبوا إلى أن المماثلة هي المشاكلة في أخص صفات النفس ، فمماثلة زيد لعمرو عندهم مشاركته إياه في الناطقية فقط ، وذهب الماتريدية إلى أن المماثلة هي الاشتراك في الصفات النفسية ، كالحيوانية والناطقية لزيد وعمرو . قالوا : ومن لازم الاشتراك في الصفة النفسية أمران : أحدهما الاشتراك فيما يجب ويجوز ويمتنع ، وثانيهما أن يسد كل منهما مسد الآخر ، وينوب الآخر منابه ، فمن ثم يقال المثلان موجودان مشتركان فيما يجب ويجوز ويمتنع ، أو [ ص: 95 ] موجودان ، يسد كل واحد منهما مسد الآخر .

والمتماثلان وإن اشتركا في الصفات النفسية ، لكن لا بد من اختلافهما بجهة أخرى ليتحقق التعدد والتمايز ، فيصح التماثل ، ونسب إلى الأشعري أنه يشترط في التماثل التساوي من كل وجه ، واعترض بأنه لا تعدد حينئذ فلا تماثل ، وبأن أهل اللغة مطبقون على صحة قولنا زيد مثل عمرو في الفقه ، إذا كان يساويه فيه وسد مسده ، وإن اختلفا في كثير من الأوصاف ، وفي الحديث : " الحنطة بالحنطة مثلا بمثل " ، أراد به الاستواء في الكيل دون الوزن وعدد الحبات وأوصافها ، ولا يخفى أن من الممكن أن يقال المراد التساوي في الوجه الذي به التماثل ، فزيد وعمرو إذا اشتركا في الفقه وكان بينهما مساواة فيه بحيث ينوب أحدهما عن الآخر ، يصح القول بأنهما مثلان فيه وإلا فلا .

وكل هذا مغالطة وتمويه ، ليس شيء منه مما نحن فيه ، ( فكل ما جاء ) عن الله - تعالى - في القرآن العظيم ( من الآيات ) القرآنية ، ( أو صح ) مجيئه ( في الأخبار ) بالأسانيد الثابتة المرضية ، ( عن ) رواة ( ثقات ) في النقل ، وهم العدول الضابطون المرضيون عند أهل الفن العارفين بالجرح والتعديل ( من الأحاديث ) الصحيحة والآثار الصريحة مما يوهم تشبيها أو تمثيلا ، فهو من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله ، نؤمن به وبأنه من عند الله - تعالى ، و ( نمره كما قد جاء ) عن الله ، أو عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ، فيوصف [ ص: 96 ] الله بما وصف به نفسه ، وبما وصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم - وبما وصفه به السابقون الأولون ، لا يتجاوز القرآن والحديث . قال الإمام أحمد - رضي الله عنه : لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه ، وبما وصفه به رسوله - صلى الله عليه وسلم ، لا نتجاوز القرآن والحديث . فمذهب السلف أنهم يصفون الله - تعالى - بما وصف به نفسه ، وبما وصفه به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير تحريف ولا تكييف ، وهو - سبحانه - ليس كمثله شيء [ ص: 97 ] لا في ذاته ، ولا في صفاته ، ولا في أفعاله ، وكل ما أوجب نقصا أو حدوثا فالله - تعالى - منزه عنه حقيقة ، فإنه - تعالى - مستحق الكمال الذي لا غاية فوقه ، ومذهب السلف عدم الخوض في مثل هذا ، والسكوت عنه ، وتفويض علمه إلى الله - تعالى . قال حبر القرآن عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما : هذا من [ ص: 98 ] المكتوم الذي لا يفسر ، فالواجب على الإنسان أن يؤمن بظاهره ، ويكل علمه إلى الله - تعالى . وعلى ذلك مضت أئمة السلف ، كالزهري ومالك ، [ ص: 99 ] والأوزاعي ، وسفيان الثوري ، والليث بن سعد ، وعبد الله بن المبارك ، والإمام أحمد ، وإسحاق ، فكل هؤلاء - رضي الله عنهم - يقولون في الآيات المتشابهة : أمروها كما جاءت . قال سفيان بن عيينة - وناهيك به : كل ما وصف الله به نفسه في كتابه ، فتفسيره قراءته والسكوت عنه ، ليس لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله . فهذا مذهب سلف الأمة وفضلاء الأئمة - رضي الله عنهم ، فلهذا قلت ( فاسمع ) سماع إذعان وتفهم وامتثال وتعليم ( من ) منطوق ( نظامي ) ومفهومه ، ومحترزه ومعلومه ، ( واعلما ) فعل أمر مؤكد بنون التأكيد الخفيفة المنقلبة ألفا ، أي اعلم ذلك علم تحقيق وتحرير وتدقيق ، واعتمده واعتقده ، فإنه نهج سلف الأمة ، وسبيل أحبار الأئمة ، ( ولا نرد ذاك ) الوارد في الكتاب المنزل ، وما جاء عن النبي المرسل ولا شيئا منه ( بالعقول ) ، بضرب من التأويل أو التمويه والتضليل ، ( لـ ) أجل ( قول ) إنسان ( مفتر ) من الفرية ، وهي الكذب ، ومنه " فقد أعظم على الله الفرية " ، أي الكذب ، ومنه قوله - تعالى : ( ولا يأتين ببهتان يفترينه ) ، يقال : فرى يفري فريا ، وافترى يفتري افتراء إذا كذب ، ومفتر اسم فاعل منه ، ( به ) أي بذلك القول الذي تقوله ، والتأويل الذي تأوله ( جهول ) ، صفة لمفتر من صفات المبالغة ، فإن الله - جل ثناؤه - سمى نفسه في كتابه العزيز بالرحمن الرحيم ، ووصف نفسه بالرحمة والمحبة ، فقال : ( ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما ) ، وقال : ( ورحمتي وسعت كل شيء ) ، وقال : ( فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ) ، وقال : ( إن الله يحب المتقين - و يحب المحسنين - و يحب الصابرين - و يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ) [ ص: 100 ] وكذلك الرضا والغضب إلى غير ذلك من سائر ما جاء به الكتاب العظيم والنبي الكريم ، فسلف الأمة وعلماء الأئمة يؤمنون به ، ويثبتونه لله - تعالى - بالمعنى الذي أراده - تعالى - مع اعتقادهم التنزيه والتقديس ، عن التشبيه والتنقيص ، ومن الناس من يجعل رحمة الله وحبه - تعالى - عبارة عما يخلقه من النعمة ، وهذا ظاهر البطلان .

فإن قيل : إن إثبات هذا تشبيه ; لأن الرحمة رقة تلحق المخلوق ، والرب منزه عن مثل صفات المخلوقين ، ( فالجواب ) إن الذي يلزم من هذه الصفات يلزم من غيرها ، فإن الإرادة في حق المخلوق ميله إلى ما ينفعه ، ودفع ما يضره ، والله - تعالى - منزه عن الاحتياج إلى عباده ، وهم لا يبلغون ضره ولا نفعه ، بل هو الغني عن كل ما سواه .

فإن قيل : الإرادة التي نثبتها لله ليست مثل إرادة المخلوقين ، كما أنا قد اتفقنا وسائر المسلمين على أنه - تعالى - حي عليم قدير ، وليس هو مثل سائر الأحياء العلماء القادرين ، ( فالجواب ) أنا نقول : وكذلك الرحمة والمحبة التي نثبتها لله - تعالى - ليست مثل رحمة المخلوق ومحبة المخلوق .

فإن قيل : لا نعقل من المحبة والرحمة إلا هذا . قال لك نفاة الصفات : ونحن لا نعقل من الإرادة إلا هذا . وقلنا نحن - معشر أهل الأثر - : لا يخفى على عاقل فهيم ، ولا مؤمن سليم أن إرادتنا ومحبتنا ، ورحمتنا بالنسبة إلينا ، وإرادته - تعالى - ومحبته ، ورحمته بالنسبة إليه ، فكما أن ذاته لا تشبه ذواتنا ، وحياته لا تشبه حياتنا ، فرحمته ومحبته ورضاه وغضبه كذلك ، فلا يجوز التفريق بين المتماثلين ، فكيف تثبت له إحدى الصفتين ، وتنفي عنه الأخرى مع ورود الجميع في الكتاب العزيز والسنة الصحيحة ؟ وليس في العقل ، ولا في السمع ما يوجب التفريق ، إذ غاية ما يقال : إنا نثبت الإرادة بالعقل ; لأن وجود التخصيص في المخلوقات دل على الإرادة ، فيقال : أولا انتفاء الدليل المعين لا يقتضي انتفاء المدلول ، فهب أن مثل هذا الدليل لا يثبت في الرحمة والمحبة ، فمن أين نفيتم ذلك مع أن السمع أثبت ذلك ؟ ويقال ثانيا في إثبات ذلك بالطريق العقلي نظير الذي أثبتم به الإرادة : ما في المخلوقات من وجود المنافع للمحتاجين ، وكشف الضر عن المضرورين ، [ ص: 101 ] والإحسان إلى المخلوقات ، وأنواع الرزق والهدى والمسرات دليل على رحمة الخالق - سبحانه ، والقرآن يثبت دلائل الربوبية بهذه الطريق ، تارة يدلهم بالآيات المخلوقة على وجود الخالق ، ويثبت علمه وقدرته وحياته ، وتارة يدلهم بالنعم والآلاء على وجود بره وإحسانه المستلزم رحمته ، وهذا كثير في القرآن ، كقوله تعالى : ( ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء ) الآية ، وقوله : ( أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز ) الآية ، وقوله في سورة الرحمن بعد ذكر تعداد أنواع النعم : ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) ، وكذلك إثبات حكمته - تعالى - ومحبته التي تنبني عليها حكمة خلقه وأمره ، مما يعلم بالسمع وبالعقل أيضا ، كما تعلم إرادته - تعالى - ( بهما ) ، وسلف الأمة وأئمتها على أن الله - تعالى - يحب ويحب ، وهو قول شيوخ ( أهل ) المعرفة . وفي الحديث : " وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة " . إذا علمت ذلك ( فعقدنا ) معشر الأثرية الذي نعقد عليه ، ونهجنا الذي نسلكه ونذهب إليه ، ( الإثبات ) للأسماء والصفات ، كما وردت به الآيات ، ودلت عليه الروايات ، ( يا خليلي ) من الخلة ، وهي نهاية المحبة وخلاصتها ، بحيث أنها تخللت الأعضاء والمفاصل ، والمراد بالخليل هنا الموافق على مذهب السلف ، السائل عن منهاجه ودقائقه وأمهات مسائله وحقائقه ، فإنا ندين لله - تعالى - بإثبات ما جاءت به الآيات وصحيح الروايات ، وسلكته الأئمة السادات ( من غير تعطيل ) لها عن حقائقها ونفيها مع صحة مخارجها ، بل نثبتها ونؤمن بها ، ولا تشبيه في مجرد إثباتها ، ( ولا ) أي : ومن غير ( تمثيل ) لها بصفات المخلوق ، بل إثبات بلا تمثيل ، وتنزيه بلا تعطيل ، فالممثل يعبد صنما ، والمعطل يعبد عدما ، والمثبت المسلم يعبد رب الأرض والسماء ، المنعوت بنعوت الصفات والأسماء . وعندنا معشر السلف ومن نحا منحانا من علماء الخلف .

التالي السابق


الخدمات العلمية