لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

صفحة جزء
[ ص: 15 ] ( الخامس : تعريف المتواتر والآحاد ومتعلقات ذلك )

التواتر لغة : تتابع شيئين فصاعدا بمهلة ، واصطلاحا : خبر عدد يمتنع معه لكثرته تواطؤ على كذب عن محسوس أو عن عدد ، كذلك إلى أن ينتهي إلى محسوس من مشاهدة أو سماع . فقوله خبر جنس يشمل المتواتر وغيره ، وبإضافته إلى عدد يخرج خبر الواحد ، وبقوله يمتنع معه . . . إلخ ، يخرج به خبر عدد لم يتصف بالوصف المذكور ، وخرج بقيد المحسوس ما كان عن معلوم بدليل عقلي ، كإخبار أهل السنة دهريا بحدوث العالم لتجويز غلطهم في الاعتقاد . وهذا الخبر المتواتر مفيد للعلم بنفسه ، فقيد بنفسه لإخراج الخبر الذي صدق المخبرين به ، بسبب القرائن المحتفة به .

والحاصل بخبر التواتر ضروري عند أصحابنا ، والأكثر إذ لو كان نظريا لافتقر إلى توسط المقدمتين ، ولما حصل لمن ليس من أهل النظر كالنساء والصبيان ، ولساغ الاختلاف فيه عقلا كسائر النظريات ، فالعلم الضروري ما اضطر العقل إلى التصديق به . وهذا كذلك ( وقال أبو الخطاب الكلوذاني وجمع ) : إنه نظري ، إذ لو كان ضروريا لما افتقر إلى النظر في المقدمتين ، وهما اتفاقهم على الأخبار وامتناع تواطئهم على الكذب ، فصورة الترتيب ممكنة . ورد ذلك بأن ما ذكره مطرد في كل ضروري ، ( وقال الطوفي في كل مختصره ) : الخلاف لفظي ، إذ مراد الأول بالضروري ما اضطر العقل إلى تصديقه ، والثاني البديهي الكافي في حصول الجزم به تصور طرفيه ، والضروري ينقسم إليهما ، فدعوى كل فريق غير دعوى الآخر ، والجزم حاصل على كلا القولين .

ثم اعلم أن خبر التواتر لا يولد العلم ، بل يقع العلم عنده بفعل الله - تعالى - عند الفقهاء وغيرهم من أهل الحق ، وخالف قوم ، وهو على المعتمد بمنزلة إجراء العادة بخلق الولد من المني ، والله قادر على خلقه بدون ذلك ، خلافا لمن قال بالتولد .

والتواتر من حيث هو قسمان : لفظي ، كحديث " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " . فقد رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نيف [ ص: 16 ] وستون صحابيا ، منهم العشرة المبشرون بالجنة ، رضي الله عنهم أجمعين . والتواتر يكون في القرآن كالقراءات السبع ، واختلف في الثلاث الباقية ، هل هي متواترة أو لا ؟ والحق أنها متواترة . وأما الإجماع فالمتواتر فيه كثير . وأما السنة فالمتواتر فيها قليل ، حتى إن بعضهم نفى المتواتر اللفظي من السنة إلا حديث " من كذب علي متعمدا " ، وزاد بعضهم حديث الحوض ، كما سنذكره في محله ، وكذا حديث الشفاعة ، قال القاضي عياض : بلغ التواتر ، وحديث المسح على الخفين ، قال ابن عبد البر : رواه نحو أربعين صحابيا ، واستفاض وتواتر . ( وأما التواتر المعنوي ) من السنة بأن يتواتر معنى في ضمن أحاديث مختلفة الألفاظ متحدة المعنى فكثير ، فالمتواتر المعنوي هو تغاير الألفاظ مع الاشتراك في معنى كلي ولو بطريق اللزوم ، كحديث الحوض ، وسخاء حاتم ، وشجاعة علي - رضي الله عنه - وغيرها ، وذلك إذا كثرت الأخبار في الواقع واختلف فيها لكن كل واحد منها يشتمل على معنى مشترك بينها بجهة التضمن أو الالتزام ، فيحصل العلم بالقدر المشترك ، وهو مثلا الشجاعة لعلي - رضي الله عنه - والسخاء لحاتم ونحو ذلك .

والمعتمد عدم انحصار التواتر في عدد ، وإنما يعلم حصول العدد إذا حصل العلم عنده ، ولا يلزم الدور إذ حصول العلم معلول الأخبار ودليله ، كالشبع والري معلول المشبع والمروي ودليلهما ، وإن لم يعلم القدر الكافي منهما . ويختلف العلم الحاصل بالتواتر باختلاف القرائن ، كالهيئات المقارنة للخبر الموجبة لتعريف متعلقه ، واختلاف أحوال المخبرين في اطلاعهم على قرائن التعريف ، واختلاف إدراك المستمعين لتفاوت الأذهان والقرائح ، واختلاف الوقائع على عظمها وحقارتها . والمعتمد حصول العلم بالتواتر لكل من بلغه ، فيتفق الناس كلهم في العلم به ، إلا أنه يتفاوت المعلوم عند الإمام أحمد - رضي الله عنه - والمحققين ، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية - روح الله روحه - وغيره ، وعنه لا ، قال ( المحقق ابن قاضي الجبل ) : الأصح التفاوت ، فإنا نجد بالضرورة الفرق بين كون الواحد نصف الاثنين ، وبين ما علمناه من جهة التواتر مع كون اليقين حاصلا فيهما ، وكما نفرق بين علم اليقين وعين [ ص: 17 ] اليقين وحق اليقين . ولا يشترط إسلام العدد المشروط في التواتر ، ولا عدالتهم خلافا لقوم اعتبروهما ، قالوا : لأن الكفر والفسوق عرضة للكذب والتحريف ، ولأن النصارى نقلوا أن اليهود قتلوا المسيح ، وهو باطل بالنص ، ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ) وبالإجماع .

والجواب : أنا نمنع حصول شرط التواتر للاختلال في الطبقة الأولى لكونهم لم يبلغوا عدد التواتر ، وكذا الجواب عن أخبار الإمامية بالنص على إمامة علي - رضي الله عنه . ولا يشترط أيضا أن لا يحويهم بلد ، ولا يحصيهم عدد ، خلافا لطوائف من الفقهاء ; لأن أهل الجامع لو أخبروا عن سقوط المؤذن عن المنارة ، والخطيب عن المنبر ، لكان إخبارهم مفيدا للعلم ، فضلا عن أهل بلد .

وأما الآحاد فهو ما عدا المتواتر ، فدخل مستفيض مشهور ، وهو ما زاد نقلته على ثلاثة عدول . وعزيز وهو ما ( لا ) تنقص نقلته عن عدلين . وخبر الآحاد إن كان مستفيضا مشهورا ، أفاد علما نظريا ، كما نقله العلامة ابن مفلح وغيره عن أبي إسحاق الإسفراييني وابن فورك ، وقيل : يفيد القطع ، وغير المستفيض من سائر أخبار الآحاد يفيد الظن فقط ، ولو مع قرينة عند الأكثر لاحتمال السهو والغلط ونحوهما على ما دون عدد رواة المستفيض لقرب احتمال السهو والخطأ على عددهم القليل ، وقال الإمام الموفق وابن حمدان والطوفي وجمع : إنه يفيد العلم بالقرائن ، قال العلامة علاء الدين علي بن سليمان المرداوي في شرح التحرير : وهذا أظهر وأصح ، والقرائن وإن قال الماوردي : لا يمكن أن تضبط بعادة ، فقد قال غيره : بل يمكن أن تضبط بما تسكن إليه النفس ، كسكونها إلى المتواتر أو قريب منه ، بحيث لا يبقى فيها احتمال عنده ألبتة . إلا إذا نقله ؛ أي : نقل خبر الآحاد غير المستفيض آحاد الأئمة المتفق عليهم وعلى إمامتهم وجلالتهم وضبطهم من طرق متساوية ، وتلقته الأمة بالقبول فيفيد العلم حينئذ ، قال القاضي أبو يعلى : هذا المذهب . وقال أبو الخطاب : هذا ظاهر كلام أصحابنا .

[ ص: 18 ] واختاره ابن الزاغوني ، والإمام تقي الدين ابن تيمية - قدس الله روحه ، وقال : الذي عليه الأصوليون من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد - رضي الله عنهم أجمعين - أن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقا وعلما به يوجب العمل ، إلا فرقة قليلة تبعوا طائفة من أهل الكلام أنكروا ذلك ، والأول ذكره أبو إسحاق وأبو الطيب ، وذكره عبد الوهاب وأمثاله من المالكية ، والسرخسي وأمثاله من الحنفية ، وهو الذي عليه أكثر الفقهاء وأهل الحديث والسلف ، وأكثر الأشعرية وغيرهم . انتهى .

قال ابن الصلاح : ما أسنده البخاري ومسلم - العلم اليقيني النظري - واقع له ، خلافا لقول من نفى ذلك محتجا بأنه لا يفيد في أصله إلا الظن ، وإنما تلقته الأمة بالقبول ; لأنه يجب عليهم العمل بالظن ، قال : والظن قد يخطئ ، قال ابن الصلاح : وقد كنت أميل إلى هذا وأحسبه قويا ، ثم بان لي أن المذهب الذي اخترناه أولا هو الصحيح ; لأن ظن من هو معصوم من الخطأ لا يخطئ ، والأمة في إجماعها معصومة من الخطأ . وقال الإمام النووي من الشافعية : خالف ابن الصلاح المحققون والأكثرون ، وقالوا : يفيد الظن ما لم يتواتر . انتهى .

قال الإمام ابن عقيل ، والحافظ ابن الجوزي ، والقاضي أبو بكر الباقلاني ، وأبو حامد ، وابن برهان ، والفخر الرازي ، والسيف الآمدي وغيرهم : لا يفيد العلم ما نقله آحاد الأمة المتفق عليهم ، ولو تلقي بالقبول . وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني : يفيده عملا لا قولا . انتهى . ونص الإمام أحمد - رضي الله عنه - في رواية الأثرم : أنه يعمل به ، ولا نشهد بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله . وأطلق ابن عبد البر وجماعة أنه قول جمهور أهل الأثر والنظر ، حتى قال بعضهم : ولو مع قرينة . ونقل حنبل عن الإمام أحمد - رضي الله عنه : أخبار الرؤية حق ، نقطع على العلم بها . وقال له المروذي : هنا إنسان يقول : الخبر يوجب عملا لا علما . فعابه وقال : لا أدري ما هذا . وفي كتاب الرسالة لأحمد بن جعفر الفارسي ، عن الإمام أحمد - رضي الله عنه : لا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار لذنب عمله ، ولا لكبيرة أتاها ، إلا أن يكون ذلك في حديث كما جاء ، نصدقه ونعلم أنه كما جاء . قال القاضي : ذهب إلى هذا جماعة من أصحابنا أنه يفيد .

[ ص: 19 ] وذكره القاضي في مقدمة المجرد عن علمائنا ، وجزم به ابن أبي موسى ، وقاله كثير من أهل الأثر ، وبعض أهل النظر ، والظاهرية ، وابن خويز منداد المالكي ، وأنه مخرج على مذهب مالك . ولما وقف ابن كثير على اختيار ابن الصلاح من أن ما أسند في الصحيحين مقطوع بصحته ، قال : وإنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه وأرشد إليه . قال : ثم وقفت على كلام لشيخنا العلامة ابن تيمية ، مضمونه أنه نقل القطع بالحديث الذي تلقته الأمة بالقبول عن جماعات ، ونقل ما قدمنا عنه ، وزاد : وابن حامد ، والقاضي أبو يعلى ، وأبو الخطاب ، وابن الزاغوني ، وأمثالهم من الحنابلة ، وشمس الأئمة من الحنفية . قال : وهو مذهب أهل الحديث قاطبة ، ومذهب السلف عامة .

التالي السابق


الخدمات العلمية