لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

صفحة جزء
فصل في بحث صفات مولانا عز وجل

اعلم أن التوحيد ثلاثة أقسام : توحيد الربوبية ، وتوحيد الإلهية ، وتوحيد الصفات ، فتوحيد الربوبية أن لا خالق ولا رازق ، ولا محيي [ ص: 129 ] ولا مميت ، ولا موجد ولا معدم إلا الله تعالى ، وتوحيد الإلهية إفراده - تعالى - بالعبادة ، والتأله له ، والخضوع والذل ، والحب والافتقار ، والتوجه إليه - تعالى ، وتوحيد الصفات أن يوصف الله - تعالى - بما وصف به نفسه ، وبما وصفه به نبيه - صلى الله عليه وسلم - نفيا وإثباتا ، فيثبت له ما أثبته لنفسه ، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه . وقد علم أن طريقة سلف الأمة وأثبتها إثبات ما أثبته من الصفات ، من غير تكييف ولا تمثيل ، ومن غير تحريف ولا تعطيل ، وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه ، مع ما أثبته من الصفات من غير إلحاد في الأسماء ولا في الآيات ، فإنه - تعالى - ذم الملحدين في أسمائه وآياته ، فقال : ( وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون ) ، وقال - تعالى : ( إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون بصير ) ، فطريقة سلف الأمة وأئمتها إثبات الأسماء والصفات مع نفي مماثلة المخلوقات بها ، إثبات بلا تمثيل ، وتنزيه بلا تعطيل ، كما قال - تعالى : ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) ، والله - سبحانه وتعالى - بعث رسله بإثبات مفصل ونفي مجمل ، فأثبتوا له الصفات على وجه التفصيل ، ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتعطيل . فالإثبات المفصل من أسمائه وصفاته ما أنزله في محكم آياته ، كقوله - تعالى : ( الله لا إله إلا هو الحي القيوم ) الآية ، وقوله : ( قل هو الله أحد ) السورة ، ( وهو العليم الحكيم ) ، ( وهو العليم القدير ) ، ( وهو السميع البصير ) ، ( وهو العزيز الحكيم ) ، ( وهو الغفور الرحيم ) ، ( وهو بكل شيء عليم ) ، ( الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير ) ، وقوله : ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ) ، ( اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم ) ، ( وغضب الله عليه ولعنه ) ، ( وكلم الله موسى تكليما ) ، ( وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا ) ، ( ويوم يناديهم ) ، ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) ، ( ورحمتي وسعت كل شيء ) . . . إلى أمثال هذه الآيات والأحاديث الثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في أسماء الرب - سبحانه وتعالى - وصفاته ، فإن في ذلك [ ص: 130 ] من إثبات ذاته وصفاته على وجه التفصيل ، وإثبات وحدانيته بنفي التمثيل ، ما هدى الله به عباده إلى سواء السبيل . فهذه طريقة الرسل - صلوات الله عليهم أجمعين ، بخلاف من حاد وزاغ عن سبيلهم من الكفار والمشركين ، ومن ضاهى هؤلاء من الصابئة والمتفلسفة ، والقرامطة والجهمية ، والباطنية والملحدين ، فهم على الضد من ذلك ، فيصفون الله - سبحانه - بالصفات السلبية على وجه التفصيل ، ولا يثبتون له إلا وجودا مطلقا ، لا حقيقة له عند التأمل ، وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان لا في الأعيان ، فقولهم يستلزم التعطيل والتمثيل ، فإنهم يمثلونه بالممتنعات والمعدومات والجمادات ، ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلا يستلزم نفي الذات المقدسة ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا .

ولما كانت أسماؤه الحسنى - تعالى - يقول بإثباتها أهل السنة ، وكذا المعتزلة على ما مر قدم البحث عليها ، ولما كانت صفاته - تعالى - منها ما اتفق عليه كالصفات السبع ، ومنها ما اختلف فيه كصفات فعله - تعالى - ورحمته وغضبه ونحوها ، بدأ بما اتفق عليه منها ، وهي السبع صفات الثبوتية :

التالي السابق


الخدمات العلمية