لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية

السفاريني - محمد بن أحمد بن سالم السفاريني

صفحة جزء
ولما بين الناظم أن القرآن العظيم الذي أنزله الله تعالى مع جبريل - عليه السلام - إلى النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم ، وأثبت أنه كلام الله ، وأنه قديم ، أعقب ذلك ببعض نعوت هذا الكلام المنزل على النبي المرسل .

فقال ( ( أعيا ) ) أي أعجز ( ( الورى ) ) أي جميع الخلق من الإنس والجن ، قال في القاموس : الورى كفتى : الخلق ( ( بالنص ) ) القرآني والتنزيل الرحماني ( ( يا عليم ) ) أي يا عالم ( ( يعني ) ) المبالغ في العلم ، فإن العليم صفة مبالغة كما هو معروف قال تعالى قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا .

فتحدى الخلق بالإتيان بمثله ، وقال تعالى أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين .

فلما عجزوا عن الإتيان بمثله تحداهم بعشر سور فقال جل شأنه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات .

فلما عجزوا تحداهم بالإتيان بسورة واحدة ، فقال تعالى قل فأتونا بسورة من مثله أي من مثل القرآن العظيم فعجزوا ، وفي قوله تعالى أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين غاية التحدي والتبكيت والرد عليهم والتنكيت أي إن كانوا صادقين في زعمهم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تقول القرآن العظيم ، فليأتوا بحديث مثله .

فإنه إذا كان محمد - صلى الله عليه وسلم - قادرا على أن يتقوله كما يقدر الإنسان أن يتكلم بما يتكلم به من نظم ونثر كان هذا ممكنا للناس الذين هم من جنسه ، فيمكن للناس أن يأتوا بمثله ، ولما تحداهم الله تعالى بسورة واحدة في قوله قل فأتوا بسورة من مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين بعد أن تحداهم بالإتيان بعشر [ ص: 171 ] سور هم ومن استطاعوا ، قال جل شأنه فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا إنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون كما قال لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا أي هو سبحانه يعلم أنه مفترى .

كما قال وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله أي ما كان لأن يفترى ، يقول ما كان ليفعل هذا فلم ينف مجرد فعله بل نفى احتمال فعله ، وأخبر بأن مثل هذا لا يقع بل يمتنع وقوعه فيكون المعنى لا يمكن ، ولا يحتمل ، ولا يجوز أن يفترى هذا القرآن من دون الله ، فإن الذي يفتريه من دون الله مخلوق .


( ( وليس في طوق ) )

أي ليس في وسع ( ( الورى ) ) من جميع الخلق وطاقتهم فالطوق الوسع والطاقة ، كما في القاموس ، وفي حديث أبي قتادة - رضى الله عنه - ومراجعته النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصوم ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - " وددت أني طوقت ذلك " أي ليته جعل داخلا في طاقتي وقدرتي ، ولم يكن عاجزا عن ذلك غير قادر عليه لضعف فيه ، ولكن يحتمل أنه خاف العجز عنه للحقوق التي تلزمه لنسائه ، فإن إدامة الصوم تخل بحظوظهن منه ، كما في النهاية .

ومنه حديث عامر بن فهيرة - رضى الله عنه - : كل امرئ مجاهد بطوقه . أي أقصى غايته ، وهو اسم لمقدار ما يمكن أن يفعله بمشقة منه ، فالمعنى ليس في قدرة الخلق ولا طاقتهم ، ولو بذلوا جهدهم بغاية ما يمكنهم ولو مع تمام المشقة الحاصلة لهم ( ( من أصله ) ) أي الورى يعني الخلق أي من أولهم إلى آخرهم .

ويحتمل المراد أنه ليس في طوق الخلق من الأصل ( ( أن يستطيعوا ) ) الإتيان بأقصر ( ( سورة ) ) من القرآن فليس في طوق جميع الخلق من أصل خلقتهم وجبلتهم وقدرتهم واستطاعتهم ، من غير أن يسلبهم الله تعالى ذلك الإتيان بأقصر سورة .

( ( من مثله ) ) أي القرآن كما تحدى الديان أهل الفصاحة والبلاغة واللسن وذوي الرزانة والدراية والفطن ، فاعترفوا بالعجز عن الإتيان بمثل أقصر سورة في القرآن . قال الإمام الحافظ ابن الجوزي - رحمة الله تعالى - : لما تحيروا عند سماع القرآن ، وأدهشهم أسلوبه نودي عليهم بالعجز عن مماثلته بقوله فأتوا بسورة من مثله انتهى . هذا وهم مصاقيع الكلام ، وبلغاء النثر ، والنظام [ ص: 172 ] فعدلوا عن مصاقعة اللسان إلى مقارعة السنان .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب - الجواب الصحيح - : وهذا التحدي كان بمكة ، فإن سورة يونس وهود والطور من المكي ، ثم أعاد التحدي في المدينة بعد الهجرة ، فقال : في سورة البقرة ، وهي مدنية وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ثم قال فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين .

فذكر أمرين ، ( أحدهما ) : قوله فإن لم تفعلوا فاتقوا النار ، يقول : إذا لم تفعلوا فقد علمتم أنه حق ، فخافوا الله أن تكذبوه فيحيق بكم العذاب الذي وعدته المكذبين ، وهذا دعاء إلى سبيل ربه بالموعظة الحسنة ، بعد أن دعاهم بالحكمة ، وهو جدالهم بالتي هي أحسن .

( الثاني ) قوله : ولن تفعلوا ، ولن لنفي المستقبل ، فثبت أنهم في المستقبل من الزمان لا يأتون بسورة من مثله ، كما أخبر قبل ذلك ، وأمر الله تعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يقول في سورة ( سبحان ) - وهي مكية افتتحها بذكر الإسراء ، وهو كان بمكة بنص القرآن والخبر المتواتر - قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا .

فعم بأمره له أن يخبر بالخبر جميع الخلق معجزا لهم قاطعا بأنهم إذا اجتمعوا كلهم لا يأتون بمثل هذا القرآن ، ولو تظاهروا ، وتعاونوا على ذلك ، وهذا التحدي لجميع الخلق ، وقد سمعه كل من سمع القرآن ، وعرفه الخاص والعام ، وعلم مع ذلك أنهم لم يعارضوه ، ولا أتوا بسورة من مثله ، ومن حين بعث - صلى الله عليه وسلم - وإلى اليوم الأمر على ذلك مع ما علم من أن الخلق كانوا كلهم كفارا قبل أن يبعث ولما بعث إنما تبعه قليل .

وكان الكفار من أحرص الناس على إبطال قوله مجتهدين بكل طريق يمكن ، تارة يذهبون إلى أهل الكتاب يسألونهم عن أمور من الغيب حتى يسألوه عنها ، كما سألوه عن قصة يوسف ، وأهل الكهف ، وذي القرنين ، ويجتمعون في مجمع بعد مجمع على ما يقولونه فيه ، وصاروا يضربون له الأمثال ، فيشبهونه بمن ليس بمثله لمجرد شبه ما مع ظهور الفرق ، فتارة يقولون مجنون ، وتارة ساحر ، وكاهن ، وشاعر ، وإلى أمثال ذلك من الأقوال التي يعلمون هم وغيرهم من كل عاقل يسمعها أنها [ ص: 173 ] افتراء عليه ، فإذا كان قد تحداهم بالمعارضة مرة بعد مرة وهي تبطل دعواهم ، فمعلوم أنهم لو كانوا قادرين عليها لفعلوها ، فإنه مع وجود هذا الداعي التام المؤكد إذا كانت القدرة حاصلة وجب وجود المقدور .

ثم هكذا القول في سائر الأرض فهذا يوجب علما بينا لكل أحد يعجز جميع أهل الأرض عن أن يأتوا بمثل هذا القرآن بحيلة وبغير حيلة ، وهذا أبلغ من الآيات التي تكرر جنسها كإحياء الموتى ، فإن هذا لم يأت أحد بنظيره ، فإقدامه - صلى الله عليه وسلم - في أول الأمر على هذا التحدي وهو بمكة ، وأتباعه قليل ، على أن يقول خبرا يقطع به أنه لو اجتمع الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله في ذلك العصر ، وفي سائر الأعصار المتأخرة ، لا يكون إلا مع جزمه بذلك وتيقنه له ، وإلا فمع الشك والظن لا يقول ذلك من يخاف أن يظهر كذبه فيفتضح ؛ فيرجع الناس عن تصديقه ، وإذا كان جازما بذلك متيقنا له ، ولم يكن ذلك إلا عن إعلام الله تعالى له بذلك ، وليس في العلوم المعتادة أن يعلم الإنسان أن جميع الخلق لا يقدرون أن يأتوا بمثل كلامه إلا إذا علم العالم أنه خارج عن قدرة البشر ، والعلم بهذا يستلزم كونه معجزا .

قال شيخ الإسلام رحمه الملك العلام : ونفس نظم القرآن وأسلوبه عجيب بديع ليس من جنس أساليب الكلام المعروفة ، ولم يأت أحد بنظير هذا الأسلوب فإنه ليس من جنس الشعر والرجز ولا الرسائل والخطابة ، ولا نظمه نظم شيء من كلام الناس ، عربهم وعجمهم ، ونفس فصاحة القرآن وبلاغته عجيب خارق للعادة وليس له نظير في كلام جميع الخلق - يعني من لدن آدم وإلى الآن وهذا نهاية الإعجاز ، وبالله التوفيق .

التالي السابق


الخدمات العلمية