صفحة جزء
539 - يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن بن سمعان

من ولد أكثم بن صيفي يكنى أبا محمد
وهو مروزي. سمع عبد الله بن المبارك ، وسفيان بن عيينة ، ووكيعا وخلقا كثيرا، وحدث عن إمامنا أحمد بأشياء. [ ص: 411 ] منها: قال: ذاكرت أحمد بن حنبل يوما بعض إخواننا وتغيره علينا فأنشأ أبو عبد الله يقول:


وليس خليلي بالملول، ولا الذي إذا غبت عنه باعني بخليل     ولكن خليلي: من يدوم وصاله
ويحفظ سري عند كل دخيل



روى عن يحيى بن أكثم : محمد بن إسماعيل البخاري ، وأبو حاتم الرازي ، وإسماعيل بن إسحاق القاضي وأخوه حماد بن إسحاق وغيرهم، وكان عالما بالفقه، بصيرا بالأحكام، وولاه المأمون قضاء القضاة ببغداد وقال علي بن المديني : خرج سفيان بن عيينة إلى أصحاب الحديث وهو ضجر، فقال: أليس من الشقاء أن أكون جالست ضمرة بن سعيد ، وجالس أبا سعيد الخدري ، وجالست عمرو بن دينار ، وجالس جابر بن عبد الله ، وجالست عبد الله بن دينار وجالس ابن عمر وجالست الزهري وجالس أنس بن مالك حتى عدد جماعة، ثم أنا أجالسكم؟ فقال له حدث في المجلس: انتصف يا أبا محمد قال: إن شاء الله، قال له: والله لشقاء من جالس أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بك أشد من شقائك بنا، فأطرق وتمثل بشعر أبي نواس .


خل جنبيك لرام     وامض عنه بسلام
مت بداء الصمت خي     ر لك من داء الكلام



فسأل من الفتى؟ فقالوا: يحيى بن أكثم فقال سفيان : هذا الغلام يصلح لصحبة هؤلاء، يعني السلطان. وكتب يحيى بن أكثم إلى صديق له:


جفوت، وما فيما مضى كنت تفعل     وأغفلت من لم تلفه عنك يغفل
وعجلت قطع الوصل في ذات بيننا     بلا حدث، أو كدت في ذاك تعجل
وأصبحت، لولا أنني ذو تعطف     عليك بودي صابر متجمل
أرى جفوة أو قسوة من أخي ندى     إلى الله فيها المشتكى والمعول
فأقسم لولا أن حقك واجب     علي، وأني بالوفاء موكل [ ص: 412 ]
لكنت عزوف النفس عن كل مدبر     وبعض عزوف النفس عن ذاك أجمل
ولكنني أرعى الحقوق، وأستحي     وأحمل من ذي الود ما ليس يحمل
فإن مصاب المرء في أهل وده     بلاء عظيم عند من كان يعقل



وقال الفضل بن محمد الشعراني : سمعت يحيى بن أكثم يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، فمن قال مخلوق يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه.

وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل : ذكر يحيى بن أكثم عند أبي فقال: ما عرفت فيه بدعة، فبلغت يحيى فقال: صدق أبو عبد الله ما عرفني ببدعة قط.

قال: وذكر له ما يرميه الناس به فقال: سبحان الله! سبحان الله! ومن يقول هذا؟ وأنكر ذلك أحمد إنكارا شديدا.

وولي قضاء البصرة وسنه عشرون أو نحوها؛ فاستصغره أهل البصرة فقال له أحدهم: كم سن القاضي؟ فعلم أنه قد استصغره فقال: أنا أكبر من عتاب بن أسيد الذي وجه به النبي - صلى الله عليه وسلم - قاضيا على أهل مكة يوم الفتح، وأنا أكبر من معاذ بن جبل الذي وجه به النبي - صلى الله عليه وسلم - قاضيا على أهل اليمن ، وأنا أكبر من كعب بن ثور الذي وجه به عمر بن الخطاب قاضيا على أهل البصرة ، وبقي سنة لا يقبل بها شاهدا فتقدم إليه والد أبي حازم القاص وكان أحد الأمناء فقال له: أيها القاضي قد وقفت الأمور وتريثت. قال: وما السبب؟ فقال: في ترك القاضي قبول الشهود. قال: فأجاز في ذلك اليوم شهادة سبعين شاهدا.

ولقي رجل يحيى بن أكثم وهو على قضاء القضاة فقال له: أصلح الله القاضي كم آكل؟ قال: فوق الجوع ودون الشبع. قال: فكم أضحك؟ قال: حتى يسفر وجهك ولا يعلو صوتك. قال: فكم أبكي؟ قال: لا تمل البكاء من خشية الله. قال: فكم أخفي من عملي؟ قال: ما استطعت. قال: فكم أظهر منه؟ قال: ما يقتدي بك البر الخير، ويؤمن عليك قول الناس.

[ ص: 413 ]

ومات بالربذة منصرفه من الحج يوم الجمعة لخمس عشرة خلت من ذي الحجة، سنة اثنتين وأربعين ومائتين، وسنه ثلاث وثمانون سنة.

قال أبو العيناء : حدثنا أحمد بن أبي دؤاد قال: كنا مع المأمون في طريق الشام فأمر فنودي بتحليل المتعة فقال يحيى بن أكثم لي ولمحمد بن منصور : بكرا غدا إليه، فإن رأيتما للقول وجها فقولا، وإلا فاسكتا إلى أن أدخل. قال: فدخلنا إليه، وهو يستاك ويقول وهو مغتاظ: متعتان كانتا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى عهد أبي بكر ، وأنا أنهى عنهما؟ ومن أنت يا أحول حتى تنهى عما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر ، فأومأت إلى محمد بن منصور رجل يقول في عمر بن الخطاب ما يقول نكلمه نحن؟ فأمسكنا، وجاء يحيى فجلس وجلسنا فقال المأمون ليحيى : ما لي أراك متغيرا؟ فقال: هو غم يا أمير المؤمنين لما حدث في الإسلام. قال: وما حدث فيه؟ قال: النداء بتحليل الزنا. قال: الزنا؟ قال: نعم. المتعة زنى قال: ومن أين قلت هذا؟ قال: من كتاب الله وحديث رسوله - صلى الله عليه وسلم - قال الله تعالى: " قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون " إلى قوله: " والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون " يا أمير المؤمنين زوجة المتعة ملك يمين؟ قال: لا. قال: فهي الزوجة التي عنى الله - عز وجل - ترث وتورث، ويلحق بها الولد ولها شرائطها؟ قال: لا. قال: فقد صار متجاوز هذين من العادين، وهذا الزهري يا أمير المؤمنين روى عن عبد الله ، والحسن ابني محمد بن الحنفية عن أبيهما محمد عن علي بن أبي طالب قال: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أنادي بالنهي عن المتعة وتحريمها، بعد أن كان أمر بها فالتفت إلينا المأمون فقال: أمحفوظ هذا من حديث الزهري ؟ فقلنا: نعم يا أمير المؤمنين، رواه جماعة منهم مالك . فقال: أستغفر الله، نادوا بتحريم المتعة، فنادوا بها. [ ص: 414 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية