صفحة جزء
باب الحاء من الطبقة الثانية

588 - الحسن بن علي بن خلف أبو محمد البربهاري :

شيخ الطائفة في وقته ومتقدمها في الإنكار على أهل البدع والمباينة لهم باليد واللسان وكان له صيت عند السلطان وقدم عند الأصحاب وكان أحد الأئمة العارفين والحفاظ للأصول المتقين والثقات المؤمنين .

صحب جماعة من أصحاب إمامنا أحمد منهم المروذي وصحب سهلا التستري قال البربهاري : سمعت سهلا يقول : إن الله خلق الدنيا وجعل فيها جهالا وعلماء وأفضل العلم ما عمل به . والعلم كله حجة إلا ما عمل به والعمل به هباء إلا ما صح وما صح : فلست أقطع به إلا باستثناء ما شاء الله .

قرأت على علي القرشي عن الحسن الأهوازي قال : سمعت أبا عبد الله الحمراني يقول : لما دخل الأشعري إلى بغداد جاء إلى البربهاري فجعل يقول : رددت على الجبائي وعلى أبي هاشم ونقضت عليهم وعلى اليهود والنصارى والمجوس وقلت لهم وقالوا وأكثر الكلام في ذلك فلما سكت قال البربهاري : ما أدري مما قلت قليلا ولا كثيرا ولا نعرف إلا ما قاله أبو عبد الله أحمد بن حنبل قال : فخرج من عنده وصنف كتاب " الإبانة " فلم يقبله منه ولم يظهر ببغداد إلى أن خرج منها .

وصنف البربهاري مصنفات منها : شرح كتاب السنة ذكر فيه : واحذر صغار المحدثات فإن صغار البدع تعود حتى تصير كبارا وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة كان أولها صغيرا يشبه الحق فاغتر بذلك من دخل فيها ثم لم يستطع المخرج منها فعظمت وصارت دينا يدان به فخالف الصراط المستقيم فخرج من الإسلام فانظر رحمك الله كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة فلا تعجلن ولا تدخلن في شيء منه حتى [ ص: 19 ] تسأل وتنظر : هل تكلم فيه أحد من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أحد من العلماء ؟ فإن أصبت فيه أثرا عنهم : فتمسك به ولا تجاوزه لشيء ولا تختر فيه شيئا فتسقط في النار .

واعلم أن الخروج عن الطريق على وجهين أما أحدهما : فرجل قد زل عن الطريق وهو لا يريد إلا الخير فهو لا يقتدي بزلله فإنه هالك ورجل عاند الحق وخالف من كان قبله من المتقين فهو ضال مضل شيطان في هذه الأمة حقيق على من عرفه أن يحذر الناس منه ويبين لهم قصته لئلا يقع في بدعته أحد فيهلك .

واعلم - رحمك الله - أنه لا يتم إسلام عبد حتى يكون متبعا مصدقا مسلما فمن زعم أنه قد بقي شيء من أمر الإسلام لم يكفوناه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد كذبهم وكفى بهذا فرقة فطعن عليهم فهو مبتدع ضال مضل محدث في الإسلام ما ليس فيه .

واعلم - رحمك الله - أنه ليس في السنة قياس ولا تضرب لها الأمثال ولا تتبع فيها الأهواء وهو التصديق بآثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلا كيف ولا شرح ولا يقال : لم ؟ ولا : كيف ؟ فالكلام والخصومة والجدال والمراء محدث يقدح الشك في القلب وإن أصاب صاحبه الحق والسنة .

واعلم أن الكلام في الرب تعالى محدث وهو بدعة وضلالة ولا يتكلم في الرب إلا بما وصف به نفسه عز وجل في القرآن وما بين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه وهو جل ثناؤه : ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ربنا أول بلا متى وآخر بلا منتهى يعلم السر وأخفى وهو على عرشه استوى وعلمه بكل مكان لا يخلو من علمه مكان ولا يقول في صفات الرب تعالى : لم ؟ ولا كيف ؟ إلا شاك في الله تبارك وتعالى والقرآن كلام الله وتنزيله ونوره وليس مخلوقا لأن القرآن من الله وما كان من الله فليس بمخلوق . [ ص: 20 ]

وهكذا قال مالك بن أنس والفقهاء قبله وبعده والمراء فيه كفر .

والإيمان بالرؤية يوم القيامة يرون الله عز وجل بأعين رؤوسهم وهو يحاسبهم بلا حاجب ولا ترجمان .

والإيمان بالميزان يوم القيامة يوزن فيه الخير والشر له كفتان وله لسان .

والإيمان بعذاب القبر ومنكر ونكير والإيمان بحوض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكل نبي حوض إلا صالح عليه السلام فإن حوضه ضرع ناقته .

والإيمان بشفاعة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمذنبين الخاطئين يوم القيامة وعلى الصراط ويخرجهم من جوف جهنم وما من نبي إلا وله شفاعة وكذلك الصديقون والشهداء والصالحون ولله بعد ذلك تفضل كثير على من يشاء والخروج من النار بعدما أحرقوا وصاروا فحما .

والإيمان بالصراط على جهنم يأخذ الصراط من شاء الله ويجوز من شاء الله ويسقط في جهنم من شاء الله ولهم أنوار على قدر إيمانهم .

والإيمان بالأنبياء والملائكة والإيمان بالجنة والنار : أنهما مخلوقتان الجنة في السماء السابعة وسقفها العرش والنار تحت الأرض السابعة السفلى وهما مخلوقتان قد علم الله تعالى عدد أهل الجنة ومن يدخلها وعدد أهل النار ومن يدخلها لا يفنيان أبدا بقاؤهما مع بقاء الله أبد الآبدين ودهر الداهرين .

وآدم عليه السلام كان في الجنة الباقية المخلوقة فأخرج منها بعدما عصى الله عز وجل .

والإيمان بالمسيح الدجال والإيمان بنزول عيسى ابن مريم عليه السلام ينزل فيقتل الدجال ويتزوج ويصلي خلف القائم من آل محمد - صلى الله عليه وسلم - ويموت ويدفنه المسلمون .

والإيمان بأن الإيمان قول وعمل ونية يزيد وينقص يزيد ما شاء الله وينقص حتى لا يبقى منه شيء . [ ص: 21 ]

وأفضل هذه الأمة والأمم كلها بعد الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي يسمع بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا ينكره ثم أفضل الناس بعد هؤلاء طلحة ، والزبير ، وسعد بن أبي وقاص ، وسعيد بن زيد ، وعبد الرحمن بن عوف ، وأبو عبيدة عامر ابن الجراح وكلهم يصلح للخلافة ثم أفضل الناس بعد هؤلاء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرن الذي بعث فيهم المهاجرون الأولون والأنصار وهم من صلى القبلتين ثم أفضل الناس بعد هؤلاء من صحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما أو شهرا أو سنة أو أقل من ذلك أو أكثر نترحم عليهم ونذكر فضلهم ونكف عن زللهم ولا نذكر أحدا منهم إلا بالخير لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " إذا ذكر أصحابي فأمسكوا " وقال سفيان بن عيينة : من نطق في أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكلمة فهو صاحب هوى وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " .

والسمع والطاعة للأئمة فيما يحب الله ويرضى ومن ولي الخلافة بإجماع عليه ورضاهم به : فهو أمير المؤمنين لا يحل لأحد أن يبيت ليلة ولا يرى أن ليس عليه إمام برا كان أو فاجرا والحج والغزو مع الإمام ماض وصلاة الجمعة خلفهم جائزة ويصلي بعدها ست ركعات يفصل بين كل ركعتين هكذا قال أحمد بن حنبل .

والخلافة في قريش إلى أن ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين فهو خارجي قد شق عصا المسلمين وخالف الآثار وميتته ميتة جاهلية . [ ص: 22 ]

ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه وإن جار وذلك قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر الغفاري : " اصبر وإن كان عبدا حبشيا " وقوله للأنصار : " اصبروا حتى تلقوني على الحوض " وليس في السنة قتال السلطان فإن فيه فساد الدنيا والدين .

ويحل قتال الخوارج إذا عرضوا للمسلمين في أموالهم وأنفسهم وأهليهم وليس له إذا فارقوه أن يطلبهم ولا يجهز على جريحهم ولا يأخذ فيهم ولا يتبع مدبرهم واعلم أن لا طاعة لبشر في معصية الله عز وجل .

ومن كان من أهل الإسلام فلا تشهد له بعمل خير ولا شر فإنك لا تدري بما يختم له عند الموت ترجو له رحمة الله وتخاف عليه ذنوبه لا تدري ما سبق له عند الموت إلى الله من الندم وما أحدث الله في ذلك الوقت إذا مات على الإسلام ترجو له الرحمة وتخاف عليه ذنوبه وما من ذنب إلا وللعبد منه توبة والرجم حق والمسح على الخفين سنة وتقصير الصلاة في السفر سنة والصوم في السفر : من شاء صام ومن شاء أفطر ولا بأس بالصلاة في السراويل .

والنفاق : أن يظهر الإسلام باللسان ويخفي الكفر بالضمير .

واعلم بأن الدنيا دار إيمان وإسلام وأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فيها مؤمنون مسلمون في أحكامهم ومواريثهم وذبائحهم والصلاة عليهم ولا نشهد لأحد بحقيقة الإيمان حتى يأتي بجميع شرائع الإسلام فإن قصر في شيء من ذلك كان ناقص الإيمان حتى يتوب .

واعلم أن إيمانه إلى الله تعالى : تام الإيمان أو ناقص الإيمان إلا ما أظهر ذلك من تضييع شرائع الإسلام .

والصلاة على من مات من أهل القبلة سنة والمرجوم والزاني والزانية والذي يقتل نفسه وغيره من أهل القبلة والسكران وغيرهم : الصلاة عليهم سنة ولا يخرج أحد من أهل القبلة من الإسلام حتى يرد آية من كتاب الله عز وجل [ ص: 23 ] أو يرد شيئا من آثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو يصلي لغير الله أو يذبح لغير الله فقد وجب عليك أن تخرجه من الإسلام فإذا لم يفعل شيئا من ذلك فهو مؤمن ومسلم بالاسم لا بالحقيقة .

وكل ما سمعت من الآثار شيئا لم يبلغه عقلك نحو قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن عز وجل " وقوله : " إن الله ينزل إلى سماء الدنيا وينزل يوم عرفة وينزل يوم القيامة " و " أن جهنم لا يزال يطرح فيها حتى يضع عليها قدمه جل ثناؤه " وقول الله تعالي للعبد : " إن مشيت إلي هرولت إليك " وقوله : " خلق الله آدم على صورته " وقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " رأيت ربي في أحسن صورة " وأشباه هذه الأحاديث : فعليك بالتسليم والتصديق والتفويض والرضا ولا تفسر شيئا من هذه بهواك فإن الإيمان بهذا واجب فمن فسر شيئا من هذا بهواه ورده فهو جهمي ومن زعم أنه يرى ربه في دار الدنيا فهو كافر بالله عز وجل .

والفكرة في الله : بدعة لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " تفكروا في الخلق ولا تفكروا في الله " فإن الفكرة في الرب تقدح الشك في القلب .

واعلم أن الهوام والسباع والدواب كلها مأمورة نحو الذر والذباب والنمل مأمورة ولا يعملون شيئا إلا بإذن الله تعالى .

والإيمان بأن الله قد علم ما كان من أول الدهر وما لم يكن وما هو كائن ثم أحصاه وعده عدا ومن قال : إنه لا يعلم إلا ما كان وما هو كائن : فقد كفر بالله العظيم .

ولا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل وصداق قل أو كثر ومن لم يكن لها [ ص: 24 ] ولي فالسلطان ولي من لا ولي له وإذا طلق الرجل امرأته ثلاثا فقد حرمت عليه لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ولا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله ويشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا بإحدى ثلاث : زنا بعد إحصان أو مرتد بعد إيمان أو قتل نفس مؤمنة بغير حق فيقتل به وما سوى ذلك : فدم المسلم على المسلم حرام أبدا حتى تقوم الساعة .

وكل شيء مما أوجب الله عليه الفناء يفنى إلا الجنة والنار والعرش والكرسي والصور والقلم واللوح ليس يفنى شيء من هذا أبدا ثم يبعث الله الخلق على ما أماتهم عليه يوم القيامة ويحاسبهم بما شاء : فريق في الجنة وفريق في السعير ويقول لسائل الخلق ممن لم يخلق للبقاء : كونوا ترابا .

والإيمان بالقصاص يوم القيامة من الخلق كلهم وبين بني آدم والسباع والهوام حتى الذرة من الذرة حتى يأخذ الله عز وجل لبعضهم من بعض لأهل الجنة من أهل النار ولأهل النار من أهل الجنة ولأهل الجنة بعضهم من بعض ولأهل النار بعضهم من بعض .

وإخلاص العمل لله والرضا بقضاء الله والصبر على حكم الله والإيمان بأقدار الله كلها خيرها وشرها وحلوها ومرها .

والإيمان بما قال الله قد علم الله ما العباد عاملون وإلى ما هم صائرون لا يخرجون من علم الله ولا يكون في الأرضين والسماوات إلا ما علم الله تعالى وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك ولا خالق مع الله عز وجل .

والتكبير على الجنائز أربع وهو قول مالك بن أنس ، وسفيان الثوري ، والحسن بن صالح ، وأحمد ابن حنبل والفقهاء وهكذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

والإيمان بأن مع كل قطرة ملكا ينزل من السماء حتى يضعها حيث أمره الله عز وجل . [ ص: 25 ]

والإيمان بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين كلم أهل القلب يوم بدر - أي المشركين - كانوا يسمعون كلامه .

والإيمان بأن الرجل إذا مرض آجره الله على مرضه والشهيد يأجره الله على شهادته .

والإيمان بأن الأطفال إذا أصابهم شيء في دار الدنيا يألمون وذلك أن بكرا ابن أخت عبد الوهاب قال : لا يألمون وكذب .

واعلم أنه لا يدخل أحد الجنة إلا برحمة الله ولا يعذب الله أحدا إلا بذنوب بعد ذنوب ولو عذب أهل السماوات والأرض : برهم وفاجرهم عذبهم غير ظالم لهم لا يجوز أن يقال لله عز وجل : إنه ظلم وإنما يظلم من يأخذ ما ليس له والله له الخلق والأمر والخلق خلقه والدار داره لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ولا يقال : لم ؟ وكيف ؟ ولا يدخل أحد بين الله وبين خلقه .

وإذا سمعت الرجل يطعن على الآثار ولا يقبلها أو ينكر شيئا من أخبار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاتهمه على الإسلام فإنه رجل رديء المذهب والقول وإنما يطعن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى أصحابه لأنا إنما عرفنا الله وعرفنا رسوله وعرفنا القرآن وعرفنا الخير والشر والآخرة بالآثار وأن القرآن أحوج إلى السنة من السنة إلى القرآن .

والكلام والجدل والخصومة في القدر منهي عنه عند جميع الفرق لأن القدر سر الله ونهى الرب جل اسمه الأنبياء عن الكلام في القدر ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الخصومة في القدر وكرهه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعون وكرهه العلماء وأهل الورع ونهوا عن الجدال في القدر فعليك بالتسليم والإقرار والإيمان واعتقاد ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جملة الأشياء واسكت عما سوى ذلك .

والإيمان بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسري به إلى السماء وصار إلى [ ص: 26 ] العرش وسمع كلام الله ودخل الجنة واطلع في النار ورأى الملائكة وسمع كلام الله عز وجل وبشرت به الأنبياء ورأى سرادقات العرش والكرسي وجميع ما في السماوات وفرضت عليه الصلوات الخمس تلك الليلة ورجع إلى مكة ليلته وذلك قبل الهجرة .

واعلم أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة وتأوي إلى قناديل تحت العرش وأرواح الفجار والكفار في بئر برهوت وهي في سجين والإيمان بأن الميت يقعد في قبره وترسل فيه الروح حتى يسأله منكر ونكير عن الإيمان وشرائعه ثم تسل روحه بلا ألم ويعرف الميت الزائر إذا زاره ويتنعم المؤمن في القبر ويعذب الفاجر كيف شاء الله .

والإيمان بأن الله هو الذي كلم موسى بن عمران يوم الطور و موسى يسمع من الله الكلام بصوت وقع في مسامعه منه لا من غيره فمن قال غير هذا : فقد كفر بالله العظيم .

والعقل مولود أعطى كل إنسان من العقل ما أراد الله يتفاوتون في العقل مثل الذرة في السماوات ويطلب من كل إنسان من العمل على قدر ما أعطاه من العقل وليس العقل باكتساب إنما هو فضل الله .

واعلم أن الله فضل العباد بعضهم على بعض في الدين والدنيا عدلا منه لا يقال : جاد ولا حابى فمن قال : إن فضل الله على المؤمن والكافر سواء فهو صاحب بدعة فضل الله المؤمن على الكافر والطائع على العاصي والمعصوم على المخذول عدل منه هو فضله يعطيه من يشاء ويمنعه من يشاء .

ولا يحل أن تكتم النصيحة أحدا من المسلمين برهم وفاجرهم في أمر الدين فمن كتم فقد غش المسلمين ومن غش المسلمين فقد غش الدين ومن غش الدين فقد خان الله ورسوله والمؤمنين . [ ص: 27 ]

والله سميع بصير عليم يداه مبسوطتان قد علم أن الخلق يعصونه قبل أن يخلقهم علمه نافذ فيهم فلم يمنعه علمه فيهم أن هداهم للإسلام ومن عليهم كرما وجودا وتفضلا فله الحمد .

واعلم أن البشارة عند الموت ثلاث بشارات يقال : أبشر يا حبيب الله برضى الله والجنة ويقال : أبشر يا عبد الله بالجنة بعد الانتقام ويقال : أبشر يا عدو الله بغضب الله والنار هذا قول ابن عباس .

واعلم أن أول من ينظر إلى الله تعالى في الجنة الأضراء ثم الرجال ثم النساء بأعين رؤوسهم كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته " والإيمان بهذا واجب وإنكاره كفر .

واعلم أنها لم تكن زندقة ولا كفر ولا شكوك ولا بدعة ولا ضلالة ولا حيرة في الدين : إلا من الكلام وأهل الكلام والجدل والمراء والخصومة وكيف يجترئ الرجل على المراء والخصومة والجدال والله يقول : ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فعليك بالتسليم والرضى بالآثار والكف والسكوت والإيمان بأن الله يعذب الخلق في النار في الأغلال والأنكال والسلاسل والنار في أجوافهم وفوقهم وتحتهم وذلك أن الجهمية منهم هشام الفوطي قال : إنما يعذب الله عند النار ردا على الله ورسوله .

واعلم أن الصلاة الفريضة خمس صلوات لا يزاد فيهن ولا ينقص في مواقيتها وفي السفر ركعتان إلا المغرب فمن قال : أكثر من خمس فقد ابتدع ومن قال : أقل من خمس فقد ابتدع لا يقبل الله شيئا منها إلا لوقتها إلا أن يكون نسيان فإنه معذور يأتي بها إذا ذكرها أو يكون مسافرا فيجمع بين الصلاتين إن شاء . [ ص: 28 ]

والزكاة من الذهب والفضة والحبوب والدواب على ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن قسمها فجائز وإن دفعها إلى الأمام فجائز والله أعلم .

واعلم أن أول الإسلام : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن ما قال الله كما قال ولا خلف لما قال وهو عند ما قال .

والإيمان بالشرائع كلها واعلم أن الشراء والبيع حلال إذا بيع في أسواق المسلمين على حكم الكتاب والسنة من غير أن يدخله ظلم أو غدر أو خلاف للقرآن أو خلاف للعلم .

واعلم أنه ينبغي للعبد أن تصحبه الشفقة أبدا ما صحب الدنيا لأنه لا يدري على ما يموت وبما يختم له وعلى ما يلقى الله عز وجل ؟ وإن عمل كل عمل من الخير وينبغي للرجل المسرف على نفسه : أن لا يقطع رجاءه عند الموت ويحسن ظنه بالله ويخاف ذنوبه فإن رحمه الله فبفضل وإن عذبه فبذنب .

والإيمان بأن الله تعالى أطلع نبيه - صلى الله عليه وسلم - على ما يكون في أمته إلى يوم القيامة .

واعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة قيل : من هم يا رسول الله ؟ قال : ما أنا عليه اليوم وأصحابي " هكذا كان الدين إلى خلافة عمر بن الخطاب الجماعة كلها وهكذا في زمن عثمان : فلما قتل عثمان رضي الله عنه : جاء الاختلاف والبدع وصار الناس فرقا فمن الناس من ثبت على الحق عند أول التغيير وقال به وعمل به ودعا إليه وكان الأمر مستقيما حتى كانت الطبقة الرابعة : انقلب الزمان وتغير الناس جدا وفشت البدع وكثر الدعاة إلى غير سبيل الحق والجماعة ووقعت المحنة في كل شيء لم يتكلم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من الصحابة ودعوا إلى الفرقة وقد نهى الله عز وجل عن الفرقة وكفر بعضهم بعضا وكل دعا إلى رأيه وإلى تكفير من خالفه فضل الجهال [ ص: 29 ] والرعاع ومن لا علم له وأطمعوا الناس في شيء من أمر الدنيا وخوفوهم عقاب الدنيا فأتبعهم الخلق على خوف في دنياهم ورغبة في دنياهم فصارت السنة وأهل السنة مكتومين وظهرت البدعة وفشت وكفروا من حيث لا يعلمون من وجوه شتى ووضعوا القياس وحملوا قدرة الرب وآياته وأحكامه وأمره ونهيه على عقولهم وآرائهم فما وافق عقولهم قبلوه وما خالف عقولهم ردوه فصار الإسلام غريبا والسنة غريبة وأهل السنة غرباء في جوف ديارهم .

واعلم أن المتعة متعة النساء والاستحلال : حرام إلى يوم القيامة .

واعرف لبني هاشم فضلهم لقرابتهم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واعرف فضل قريش والعرب وجميع الأفخاذ واعرف قدرهم وحقوقهم في الإسلام ومولى القوم منهم واعرف فضل الأنصار ووصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيهم وآل الرسول فلا تسبهم واعرف فضلهم وكراماتهم من أهل المدينة .

واعلم أن أهل العلم لم يزالوا يردون قول الجهمية حتى كان في خلافة بني العباس : تكلمت الرويبضة في أمر العامة وطعنوا على آثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخذوا بالقياس والرأي وكفروا من خالفهم فدخل في قولهم الجاهل والمغفل والذي لا علم له حتى كفروا من حيث لا يعلمون فهلكت الأمة من وجوه وكفرت من وجوه وتفرقت وابتدعت من وجوه إلا من ثبت على قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ولم يتخط واحدا ولم يجاوز أمرهم ووسعه ما وسعهم ولم يرغب عن طريقتهم ومذهبهم لأنهم على الإسلام الصحيح والإيمان الصحيح فقلدهم دينه واستراح .

واعلم أن الدين إنما هو التقليد والتقليد لأصحاب رسول الله صلى الله [ ص: 30 ] عليه وسلم ومن قال : لفظه بالقرآن مخلوق : فهو جهمي ومن سكت ولم يقل مخلوق ولا غير مخلوق : فهو جهمي هكذا قال أحمد بن حنبل وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا فإياكم ومحدثات الأمور فإنها ضلالة وعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ " .

واعلم أنه إنما جاء هلاك الجهمية : من أنهم فكروا في الرب عز وجل فأدخلوا : لم ؟ وكيف ؟ وتركوا الأثر ووضعوا القياس وقاسوا الدين على رأيهم فجاءوا بالكفر عيانا لا يخفى إنهم كفروا وكفروا الخلق واضطرهم الأمر إلى أن قالوا بالتعطيل .

قال بعض العلماء منهم أحمد بن حنبل الجهمي كافر ليس من أهل القبلة حلال الدم لا يرث ولا يورث لأنه قال : لا جمعة ولا جماعة ولا عيدين وقالوا : من لم يقل القرآن مخلوق فهو كافر واستحلوا السيف على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - وخالفوا من كان قبلهم وامتحنوا الناس بشيء لم يتكلم فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من أصحابه وأرادوا تعطيل المساجد والجوامع وأوهنوا الإسلام وعطلوا الجهاد وعملوا في الفرقة وخالفوا الآثار وتكلموا بالمنسوخ واحتجوا بالمتشابه فشككوا الناس في أديانهم واختصموا في ربهم وقالوا : ليس هناك عذاب قبر ولا حوض ولا شفاعة والجنة والنار لم يخلقا وأنكروا كثيرا مما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستحل من استحل تكفيرهم ودماءهم من هذا الوجه لأنه من رد آية من كتاب الله : فقد رد الكتاب كله ومن رد حديثا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : فقد رد الأثر كله وهو كافر بالله العظيم فدامت لهم المدة ووجدوا من السلطان في ذلك معونة ووضعوا السيف والسوط على ذلك فدرسوا علم السنة والجماعة وأوهنوهما فصاروا مكتومين لإظهار البدع والكلام فيها ولكثرتهم فاتخذوا المجالس وأظهروا آراءهم [ ص: 31 ] ووضعوا فيها الكتب وأطغوا الناس وطلبوا لهم الرياسة فكانت فتنة عظيمة لم ينج منها إلا من عصم الله فأدنى ما كان يصيب الرجل في مجالستهم : أن يشك في دينه أو يتابعهم أو يرى رأيهم على الحق ولا يدري أنهم على حق أو على باطل فصار صاكا شاكا فهلك الخلق حتى كانت أيام جعفر الذي يقال له المتوكل فأطفأ الله به البدع وأظهر به الحق وأظهر أهل السنة وطالت ألسنتهم مع قلتهم وكثرة أهل البدع إلى يومنا هذا .

فالرسم والبدع وأهل الضلالة قد بقي منهم قوم يعملون بها ويدعون إليها لا مانع يمنعهم ولا حاجز يحجزهم عما يقولون ويعملون .

واعلم أنه لم تجئ زندقة قط إلا من الهمج الرعاع وأتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح فمن كان هكذا فلا دين له قال الله عز وجل : فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم وهم علماء السوء أصحاب الطمع .

واعلم أنه لا يزال الناس في عصابة من أهل الحق والسنة يهديهم الله ويهدي بهم ويحيي بهم السنن وهم الذين وصفهم الله تعالى مع قلتهم عند الاختلاف فقال : وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم ثم استثناهم فقال : فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا تزال عصابة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون " .

واعلم أن العلم ليس بكثرة الرواية والكتب ولكن العالم : من اتبع العلم والسنة وإن كان قليل العلم والكتب ومن خالف الكتاب والسنة فهو صاحب بدعة وإن كان كثير الرواية والكتب .

واعلم أنه من قال في دين الله برأيه وقياسه وتأوله من غير حجة من السنة والجماعة فقد قال على الله ما لا يعلم ومن قال على الله ما لا يعلم فهو من [ ص: 32 ] المتكلفين والحق ما جاء من عند الله عز وجل والسنة ما سنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والجماعة ما اجتمع عليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في خلافة أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ومن اقتصر على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما كان عليه أصحابه والجماعة : فلج على أهل البدعة كلهم واستراح بدنه وسلم له دينه إن شاء الله لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " ستفترق أمتي " وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الفرقة الناجية منها فقال : " ما أنا عليه وأصحابي " فهذا هو الشفاء والبيان والأمر الواضح والمنار المستقيم وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إياكم والتنطع وإياكم والتعمق وعليكم بدينكم العتيق " .

واعلم أن الدين العتيق : ما كان من وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه وكان قتله أول الفرقة وأول الاختلاف فتحاربت الأمة وافترقت واتبعت الطمع والهوى والميل إلى الدنيا .

وليس لأحد رخصة في شيء أخذ به مما لم يكن عليه أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو يكون رجل يدعو إلى شيء أخذ به من قبله أو من قبل رجل من أهل البدع فهو كمن أحدثه ممن زعم ذلك وقال به فقد رد السنة وخالف الحق والجماعة وأباح الهوى وهو أشر على هذه الأمة من إبليس ومن عرف ما ترك أهل البدع من السنة وما فارقوا منها فتمسك به : فهو صاحب سنة وجماعة حقيق أن يتبع وأن يعاون ويحفظ وهو ممن أوصى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

واعلموا أن أصول البدع أربعة أبواب يتشعب من هذه الأربعة اثنان وسبعون هوى ويصير كل واحد من البدع يتشعب حتى تصير كلها إلى ألفين وثمانمائة كلها ضلالة وكلها في النار إلا واحدة وهو من آمن بما في هذا الكتاب واعتقده من غير ريبة في قلبه ولا شكوك فهو صاحب سنة وهو ناج إن شاء الله تعالى . [ ص: 33 ]

واعلم أن الناس لو وقفوا عند محدثات الأمور ولم يجاوزوها بشيء ولم يولدوا كلاما مما لم يجئ فيه أثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أصحابه : لم تكن بدعة .

واعلم أنه ليس بين العبد وبين أن يكون مؤمنا حتى يكون كافرا : إلا أن يجحد شيئا مما أنزل الله أو يزيد في كلام الله أو ينقص أو ينكر شيئا مما قال الله عز وجل أو شيئا مما تكلم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

فاتق الله وانظر لنفسك وإياك والغلو في الدين فإنه ليس من شرط الحق في شيء .

وجميع ما وصفت لك في هذا الكتاب : فهو عن الله تعالى وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه وعن التابعين وعن القرن الثالث إلى القرن الرابع .

فاتق الله يا عبد الله وعليك بالتصديق والتسليم والتفويض والرضى بما في هذا الكتاب ولا تكتم هذا الكتاب أحدا من أهل القبلة فعسى الله أن يرد به حيران من حيرته أو صاحب بدعة من بدعته أو ضالا عن ضلالته فينجو به .

فاتق الله وعليك بالأمر الأول العتيق وهو ما وصفت لك في هذا الكتاب .

فرحم الله عبدا ورحم والديه قرأ هذا الكتاب وبثه وعمل به ودعا إليه واحتج به فإنه دين الله ودين رسوله وإنه من استحل شيئا خلافا لما في هذا الكتاب فإنه ليس يدين الله بدين وقد رده كله كما لو أن عبدا آمن بجميع ما قال الله عز وجل إلا أنه شك في حرف : فقد رد جميع ما قال الله وهو كافر كما أن شهادة أن لا إله إلا الله : لا تقبل من صاحبها إلا بصدق النية وخالص اليقين وكذلك لا يقبل الله شيئا من السنة في ترك بعض ومن خالف ورد من السنة شيئا فقد رد السنة كلها فعليك بالقبول ودع عنك المحال واللجاج فإنه ليس من دين الله في شيء وزمانك خاصة زمان سوء فاتق الله . [ ص: 34 ]

فإذا وقعت الفتنة فالزم جوف بيتك وفر من جوار الفتنة وإياك والعصبية وكل ما كان من قتال بين المسلمين على الدنيا فهو فتنة فاتق الله وحده لا شريك له ولا تخرج فيها ولا تقاتل فيها ولا تهوي ولا تشايع ولا تمايل ولا تحب شيئا من أمورهم فإنه يقال : من أحب فعال قوم خيرا كان أو شرا كان كمن عمله .

وفقنا الله وإياكم لمرضاته وجنبنا وإياكم معاصيه .

وأقل من النظر في النجوم إلا بما تستعين به على مواقيت الصلاة واله عما سوى ذلك فإنه يدعو إلى الزندقة .

وإياك والنظر في الكلام والجلوس إلى أصحاب الكلام وعليك بالآثار وأهل الآثار وإياهم فاسأل ومعهم فاجلس ومنهم فاقتبس .

واعلم أنه ما عبد الله بشيء مثل الخوف من الله وطريق الخوف والحذر والشفقات والحياء من الله واحذر أن تجلس مع من يدعو إلى الشوق والمحبة ويخلو مع النساء وطريق المذهب فإن هؤلاء كلهم على ضلالة .

واعلم أن الله تعالى دعا الخلق كلهم إلى عبادته ومن من بعد ذلك على من يشاء بالإسلام تفضلا منه .

والكف عن حرب علي ، ومعاوية وعائشة وطلحة ، والزبير رحمهم الله أجمعين ومن كان معهم لا تخاصم فيهم وكل أمرهم إلى الله تعالى فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إياكم وذكر أصحابي وأصهاري وأختاني " وقال : " إن الله تعالى نظر إلى أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " .

واعلم أنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه وإن كان مع رجل مال حرام فقد ضمنه لا يحل لأحد أن يأخذ منه شيئا إلا بإذنه فإنه عسى أن يتوب هذا فيريد أن يرد على أربابها فأخذت حراما والمكاسب مطلقة ما بان لك صحته مطلق إلا ما ظهر فساده فإن كان فاسدا يأخذ من الفاسد ممسكة [ ص: 35 ] نفسه ولا تقول أترك المكاسب وآخذ ما أعطوني لم يفعل هذا الصحابة ولا العلماء إلى زماننا هذا وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : " كسب فيه بعض الدنية خير من الحاجة إلى الناس " .

والصلوات الخمس جائزة خلف من صليت إلا أن يكون جهميا فإنه معطل وإن صليت خلفه فأعد صلاتك وإن كان إمامك يوم الجمعة جهميا وهو سلطان فصل خلفه وأعد صلاتك وإن كان إمامك من السلطان وغيره صاحب سنة فصل خلفه ولا تعد صلاتك .

والإيمان بأن أبا بكر ، وعمر رحمة الله عليهما في حجرة عائشة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد دفنا هنالك معه فإذا أتيت القبر فالتسليم عليهما بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واجب .

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إلا من خفت سيفه وعصاه والسلام على عباد الله أجمعين .

ومن ترك صلاة الجمعة والجماعة في المسجد من غير عذر فهو مبتدع والعذر : المريض لا طاقة له بالخروج إلى المسجد أو خوف من سلطان ظالم وما سوى ذلك فلا عذر لك ومن صلى خلف إمام لا يقتدي به فلا صلاة له .

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باليد واللسان والقلب بلا سيف فالمستور من المسلمين من لم يظهر منه ريبة .

وكل علم ادعاه العباد من علم الباطن لم يوجد في الكتاب ولا في السنة فهو بدعة وضلالة لا ينبغي لأحد أن يعمل به ولا يدعو إليه .

وأي امرأة وهبت نفسها لرجل : فإنها لا تحل له يعاقبان إن نال منها شيئا إلا بولي وشاهدي عدل وصداق .

وإذا رأيت الرجل يطعن على أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فاعلم أنه صاحب هوى لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إذا ذكر أصحابي فأمسكوا " . [ ص: 36 ]

فقد علم النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يكون منهم من الزلل بعد موته فلم يقل فيهم إلا خيرا وقال : " ذروا أصحابي لا تقولوا فيهم إلا خيرا " ولا تحدث بشيء من زللهم ولا خبرهم ولا ما غاب عنك علمه ولا تسمعه من أحد يحدث به فإنه لا يسلم قلبك إن سمعته .

وإذا سمعت الرجل يطعن على الآثار أو يرد الآثار أو يريد غير الآثار فاتهمه على الإسلام ولا تشك أنه صاحب هوى مبتدع .

واعلم أن جور السلطان لا ينقص فريضة من فرائض الله التي افترضها على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - جوره على نفسه وتطوعك وبرك معه تام إن شاء الله تعالى - يعني الجماعة والجمعة - والجهاد معهم وكل شيء من الطاعات فشاركهم فيه .

وإذا رأيت الرجل يدعو على السلطان فاعلم أنه صاحب هوى وإذا سمعت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله يقول فضيل بن عياض : لو كان لي دعوة ما جعلتها إلا في السلطان فأمرنا أن ندعو لهم بالصلاح ولم نؤمر أن ندعو عليهم وإن جاروا وظلموا لأن جورهم وظلمهم على أنفسهم وعلى المسلمين وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين .

ولا تذكر أحدا من أمهات المسلمين إلا بخير .

وإذا رأيت الرجل يتعاهد الفرائض في جماعة مع السلطان وغيره فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله تعالى وإذا رأيت الرجل يتهاون بالفرائض في جماعة وإن كان مع السلطان فاعلم أنه صاحب هوى .

والحلال : ما شهدت عليه وحلفت عليه : أنه حلال وكذلك الحرام ما حاك في صدرك فهو شبهة .

والمستور من بان ستره والمهتوك من بان هتكه وإذا سمعت الرجل يقول : فلان ناصبي فاعلم أنه رافضي وإذا سمعت الرجل يقول : فلان مشبه أو فلان يتكلم بالتشبيه فاعلم أنه جهمي وإذا سمعت الرجل يقول : تكلم بالتوحيد [ ص: 37 ] واشرح لي التوحيد فاعلم أنه خارجي معتزلي أو يقول : فلان مجبر أو يتكلم بالإجبار أو تكلم بالعدل فاعلم أنه قدري لأن هذه الأسماء محدثة أحدثها أمن الأهواء وقال عبد الله بن المبارك : لا تأخذوا عن أهل الكوفة في الرفض شيئا ولا عن أهل الشام في السيف شيئا ولا عن أهل البصرة في القدر شيئا ولا عن أهل خراسان في الإرجاء شيئا ولا عن أهل مكة في الصرف ولا عن أهل المدينة في الغناء لا تأخذوا عنهم في هذه الأشياء .

وإذا رأيت الرجل يحب مالك بن أنس ويتولاه فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله .

وإذا رأيت الرجل يحب أبا هريرة ، وأسيدا فاعلم أنه صاحب سنة إن شاء الله وإذا رأيت الرجل يحب أيوب ، وابن عون ، ويونس بن عبيد ، وعبد الله بن إدريس الأودي ، والشعبي ، ومالك بن مغول ، ويزيد بن زريع ، ومعاذ بن معاذ ، ووهب بن جرير ، وحماد بن زيد ، وحماد بن سلمة ، ومالك بن أنس ، والأوزاعي ، وزائدة بن قدامة فاعلم أنه صاحب سنة وإذا رأيت الرجل يحب أحمد بن حنبل ، والحجاج بن المنهال ، وأحمد بن نصر وذكرهم بخير وقال بقولهم فاعلم أنه صاحب سنة .

وإذا رأيت الرجل يجلس مع أهل الأهواء فاحذره واعرفه فإن جلس معه بعد ما علم فاتقه فإنه صاحب هوى .

وإذا سمعت الرجل تأتيه بالأثر فلا يريده ويريد القرآن فلا تشك أنه رجل قد احتوى على الزندقة فقم من عنده ودعه .

واعلم أن الأهواء كلها ردية تدعو إلى السيف وأردؤها وأكفرها : الرافضة والمعتزلة والجهمية فإنهم يريدون الناس على التعطيل والزندقة .

واعلم أنه من تناول أحدا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعلم أنه أراد محمدا - صلى الله عليه وسلم - وقد آذاه في قبره وإذا ظهر لك من إنسان شيء من البدع فاحذره فإن الذي أخفى عنك أكثر مما أظهر وإذا رأيت الرجل [ ص: 38 ] رد من الطريق والمذهب فاسقا فاجرا صاحب معاص ظالما وهو من أهل السنة فاصحبه واجلس معه فإنه ليس تضرك معصيته وإذا رأيت الرجل عابدا مجتهدا متقشفا محترفا بالعبادة صاحب هوى فلا تجلس معه ولا تسمع كلامه ولا تمش معه في طريق فإني لا آمن أن تستحلي طريقه فتهلك معه ورأى يونس بن عبيد ابنه وقد خرج من عند صاحب هوى فقال : يا بني من أين خرجت ؟ قال : من عند عمر ، وابن عبيد قال : يا بني لأن أراك خرجت من بيت هيتي أحب إلي من أن أراك خرجت من بيت فلان وفلان ولأن تلقى الله زانيا سارقا فاسقا خائنا أحب إلي من أن تلقاه بقول أهل الأهواء .

أفلا تعلم أن يونس قد علم أن الهيتي لا يضل ابنه عن دينه وأن صاحب البدعة يضله حتى يكفره ؟ .

فاحذر ثم احذر أهل زمانك خاصة وانظر من تجالس وممن تسمع ومن تصحب ؟ فإن الخلق كلهم في ضلالة إلا من عصم الله منهم وإذا رأيت الرجل يذكر المريسي أو ثمامة ، وأبا الهذيل ، وهشاما الفوطي أو واحدا من أتباعهم وأشياعهم فاحذره فإنه صاحب بدعة وإن هؤلاء كانوا على الردة واترك هذا الرجل الذي ذكرهم بخير منزلتهم .

والمحنة في الإسلام بدعة وأما اليوم فيمتحن بالسنة لقوله : " إن هذا العلم دين فانظروا ممن تأخذون دينكم ولا تقبلوا الحديث إلا ممن تقبلون شهادته" فانظر إن كان صاحب سنة له معرفة صدوقا كتبت عنه وإلا تركته .

وإذا أردت الاستقامة على الحق وطريق أهل السنة قبلك فاحذر الكلام وأصحاب الكلام والجدال والمراء والقياس والمناظرة في الدين فإن استماعك منهم وإن لم تقبل منهم يقدح الشك في القلب وكفى به قبولا فتهلك وما كانت قط زندقة ولا بدعة ولا هوى ولا ضلالة إلا من الكلام والجدال والمراء والقياس وهي أبواب البدع والشكوك والزندقة . [ ص: 39 ]

فالله الله في نفسك وعليك بالآثار وأصحاب الأثر والتقليد فإن الدين إنما هو التقليد يعني للنبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه رضوان الله عليهم أجمعين ومن قبلنا لم يدعونا في لبس فقلدهم واسترح ولا تجاوز الأثر وأهل الأثر وقف عند متشابه القرآن والحديث ولا تفسر شيئا ولا تطلب من عندك حيلة ترد بها على أهل البدع فإنك أمرت بالسكوت عنهم فلا تمكنهم من نفسك أما علمت أن محمد بن سيرين مع فضله لم يجب أحدا من أهل البدع في مسألة واحدة ولا سمع منه آية من كتاب الله عز وجل فقيل له : فقال : أخاف أن أعرفها فيقع في قلبي شيء .

وإذا سمعت الرجل يقول : إنا نحن نعظم الله إذا سمع آثار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاعلم أنه جهمي يريد أن يرد أثر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويدفعه بهذه الكلمة وهو يزعم أنه يعظم الله ويتزهد إذا سمع حديث الرؤية وحديث النزول وغيره أفليس قد رد أثر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ قال : إنا نحن نعظم الله : أن ينزل من موضع إلى موضع فقد زعم أنه أعلم بالله من غيره فاحذر هؤلاء فإن جمهور الناس من السوقة وغيرهم على هذه الحال وحذر الناس منهم وإذا سألك الرجل عن مسألة في هذا الباب وهو مسترشد فكلمه وأرشده وإذا جاءك يناظرك فاحذره فإن في المناظرة المراء والجدال والمغالبة والخصومة والغضب وقد نهيت عن جميع هذا وهو يزيل عن طريق الحق ولم يبلغنا عن أحد من فقهائنا وعلمائنا أنه جادل أو ناظر أو خاصم وقال الحسن : الحكيم لا يماري ولا يداري في حكمته أن ينشرها إن قبلت حمد الله وإن ردت حمد الله .

وجاء رجل إلى الحسن فقال : أنا أناظرك في الدين قال الحسن : أنا قد عرفت ديني فإن كان دينك قد ضل منك فاذهب فاطلبه .

وسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قوما على باب حجرته يقول أحدهم : " ألم [ ص: 40 ] يقل الله كذا ؟ " ويقول الآخر : " ألم يقل الله كذا ؟ " فخرج مغضبا فقال : " أبهذا أمرتكم ؟ أم بهذا بعثت إليكم : أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض ؟ فنهاهم عن الجدال " وكان ابن عمر يكره المناظرة ومالك بن أنس ومن فوقه ومن دونه إلى يومنا هذا وقول الله عز وجل أكبر من قول الخلق قال الله تعالى ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا

وسأل رجل عمر بن الخطاب فقال : " ما الناشطات نشطا ؟ فقال : لو كنت مخلوقا لضربت عنقك " وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " المؤمن لا يماري ولا أشفع للمماري يوم القيامة دعوا المراء لقلة خيره " .

ولا يحل لرجل أن يقول : فلان صاحب سنة حتى يعلم أنه قد اجتمعت فيه خصال السنة فلا يقال له : صاحب سنة حتى تجتمع فيه السنة كلها .

وقال عبد الله بن المبارك : أصل اثنين وسبعين هوى : أربعة أهواء فمن هذه الأربعة الأهواء تشعبت الاثنان والسبعون هوى : القدرية والمرجئة والشيعة والخوارج فمن قدم أبا بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعليا على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يتكلم في الباقين إلا بخير ودعا لهم : فقد خرج من التشيع أوله وآخره ومن قال : الإيمان قول وعمل يزيد وينقص فقد خرج من الإرجاء أوله وآخره ومن قال : الصلاة خلف كل بر وفاجر والجهاد مع كل خليفة ولم ير الخروج على السلطان بالسيف ودعا لهم بالصلاح فقد خرج من قول الخوارج أوله وآخره ومن قال : المقادير كلها من الله عز وجل خيرها وشرها يضل من يشاء ويهدي من يشاء فقد خرج من قول القدرية أوله وآخره وهو صاحب سنة وكل بدعة ظهرت فهي كفر بالله العظيم ومن قال بها فهو كافر بالله لا شك فيه والذين يؤمنون بالرجعة ويقولون : علي بن أبي طالب حي وسيرجع قبل يوم القيامة ومحمد بن علي ، وجعفر بن محمد ، وموسى بن جعفر ويتكلمون في الإمامة وأنهم يعلمون الغيب فاحذرهم فإنهم كفار بالله العظيم . [ ص: 41 ]

قال طعمة بن عمر ، وسفيان بن عيينة : من وقف عند عثمان ، وعلي : فهو شيعي لا يعدل ولا يكلم ولا يجالس ومن قدم عليا على عثمان : فهو رافضي قد رفض آثار أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن قدم الأربعة على جميعهم وترحم على الباقين وكف عن زللهم : فهو على طريق الاستقامة والهدى في هذا الباب .

والسنة أن نشهد للعشرة الذين شهد لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالجنة أنهم من أهل الجنة لا شك فيه ولا نصلي على أحد إلا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله فقط ونعم أن عثمان قتل مظلوما ومن قتله كان ظالما .

فمن أقر بما في هذا الكتاب وآمن به واتخذه إماما ولم يشك في حرف منه ولم يجحد حرفا منه فهو صاحب سنة وجماعة كامل قد كملت فيه الجماعة ومن جحد حرفا مما في هذا الكتاب أو شك في حرف منه أو شك فيه أو وقف : فهو صاحب هوى ومن جحد أو شك في حرف من القرآن أو في شيء جاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لقي الله مكذبا .

فاتق الله واحذر وتعاهد إيمانك .

التالي السابق


الخدمات العلمية