صفحة جزء
333 - ذكر مالك بن أنس رحمة الله عليه

إمام أهل المدينة رضي الله عنه.

قال مالك بن أنس: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، لقد أدركت سبعين ممن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فما أخذت عنهم شيئا، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان أمينا إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن [ ص: 1044 ] .

قال مالك: لقيت ابن شهاب يوما في موضع الجنائز على بغلة له فسألته عن حديث فيه طول فحدثني به، فلم أحفظه، فأخذت بلجام بغلته فقلت: يا أبا بكر أعده علي، فأبى، فقلت: أما كنت تحب أن يعاد عليك فأعاده.

وقال مالك: حدثنا ابن شهاب ببضعة وأربعين حديثا، ثم قال: إيها أعد علي فأعدت عليه أربعين حديثا وأسقطت البضعة فيه، وفيه رواية: فقال الزهري: ما كنت أرى أنه بقي أحد يحفظ هذا غيري.

قال عبيد الله القواريري: كنا عند حماد بن زيد فجاءه نعي مالك بن أنس فسالت دموعه فقال: يرحم الله أبا عبد الله ، لقد كان من الدين بمكان.

وقال الشافعي: إذا ذكر العلماء فمالك النجم، وما أحد أمن علي من مالك بن أنس ، وقال عبد الله بن وهب: لولا أن الله أنقذني بمالك ، والليث لضللت.

وقال عبد الرحمن بن مهدي: ما رأيت أحدا أعقل من مالك بن أنس.

وقال أحمد بن شعيب البناني: أمناء الله عز وجل على علم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: شعبة بن الحجاج ، ومالك بن أنس ، ويحيى بن أبي سعيد القطان [ ص: 1045 ] .

قال: وما أحد عندي بعد التابعين أنبل من مالك بن أنس ، ولا أحد آمن على الحديث منه.

وقال أيوب بن سويد الرملي: ما رأيت أحدا قط أجود حديثا من مالك.

وقال أبو مسهر: قلت لمالك: كلمني رجل في القدر فبلغ الوالي، فأرسل إلي فسألني عنه أفأشهد عليه؟ قال: نعم.

وقال معن بن عيسى: انصرف مالك من المسجد يوما وهو متكئ على يدي فلحقه رجل يقال له أبو الجويرية كان يتهم بالإرجاء فقال: يا أبا عبد الله اسمع مني شيئا أكلمك به، وأحاجك وأخبرك برأيي، قال: فإن غلبتني؟ قال: اتبعني، قال: فإن غلبتك؟ قال اتبعتك، قال: فإن جاء رجل فكلمناه فغلبنا؟ قال: اتبعناه، قال: يا عبد الله بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بدين واحد وأراك تتنقل.

قال عمر بن عبد العزيز : من جعل دينه غرضا للخصومات فقد أكثر التنقل.

قال مالك ما آية في كتاب الله أشد على أهل الأهواء من هذه الآية: يوم تبيض وجوه وتسود وجوه .

يقول الله: فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم [ ص: 1046 ] الآية.

وقال مالك: ما أبين هذه الآية على القدرية وأشدها عليهم: ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني الآية.

فلابد أن يكون ما قال الله تعالى.

وقال مالك بن أنس: ليس الجدال في الدين بشيء.

وجاء رجل إلى مالك ، فقال له: يا أبا عبد الله أسألك عن مسألة أجعلك حجة فيما بيني وبين الله، قال مالك: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، سل.

قال: من أهل السنة؟ قال: أهل السنة الذين ليس لهم لقب يعرفون به، لا جهمي، ولا قدري ، ولا رافضي.

وقال محمد بن رمح: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام منذ أكثر من خمسين سنة، فقلت: يا رسول الله إن مالكا ، والليث يختلفان فبأيهما نأخذ قال: "مالك ، مالك" .

وقال الدراوردي: رأيت في منامي أني دخلت مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فوافقت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، إذ أقبل مالك بن أنس [ ص: 1047 ] فدخل من باب المسجد فلما أبصره رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إلي إلي" ، فأقبل مالك حتى دنا منه فسل خاتمه من خنصره فوضعه في خنصر مالك.

وقال مصعب بن عبد الله ، عن أبيه: كنت جالسا مع مالك بن أنس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أتاه رجل فقال: أيكم مالك؟ فقال: هذا، فسلم عليه واعتنقه وضمه إلى صدره وقال: والله لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم البارحة جالسا في هذا الموضع فقال: " هاتوا بمالك ، فأتي بك ترعد فرائصك فقال: "ليس بك بأس يا أبا عبد الله " وكناك وقال: "اجلس فجلست" ، فقال: "افتح حجرك ففتحته فملأه مسكا منثورا" وقال: "ضمه إليك وبثه في أمتي" ، قال: فبكى مالك ، وقال: الرؤيا تسر ولا تغر، وإن صدقت رؤياك فهو العلم الذي أودعني الله تعالى.

التالي السابق


الخدمات العلمية