صفحة جزء
ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ، ثم جلس للناس ، فلما فعل ذلك جاء المخلفون فيهم كعب بن مالك ، ومرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية وغيرهم ، فجعلوا يعتذرون إليه ويحلفون له ، وكانوا بضعة وثمانين رجلا ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل منهم على نيتهم ، ويكل سرائرهم إلى الله حتى جاء كعب بن مالك فسلم عليه فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم تبسم المغضب ، ثم قال له : تعال فجاء كعب بن مالك يمشي حتى جلس بين يديه ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما خلفك ؟ ألم تكن ابتعت ظهرك ؟ قال : بلى يا رسول الله ، والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر ، ولقد أعطيت جدك ، وإن لي لسانا ، ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم حديثا كاذبا لترضين به عني ، وليوشكن الله أن يسخطك علي ، ولئن حدثتك حديثا صادقا تجد علي فيه ، وإني لأرجو عقبى الله فيه ، لا والله ما كان لي عذر ، ووالله ما كنت قط [ ص: 101 ] أقوى وأيسر مني حين تخلفت عنك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما هذا فقد صدقت ، قم حتى يقضي الله فيك ، فقام وثار معه رجال من بني سلمة ، واتبعوه وقالوا : ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ، ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما اعتذر إليه المخلفون ، وقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك ، وجعلوا ينوبونه حتى أراد أن يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويكذب نفسه ، ثم قال لهم : هل لقي هذا أحد غيري ؟ قالوا : نعم ، رجلان قالا مثل ما قلت ، وقال لهما : مثل ما قال لك . قال : ومن هما ؟ قالوا : مرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية الواقفي ، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كلام هؤلاء الثلاثة ، فأما مرارة وهلال فقعدا في بيوتهما ، وأما كعب بن مالك فكان أشب القوم وأجلدهم ، وكان يخرج ويشهد الصلاة مع المسلمين ، ويطوف في الأسواق ، ولا يكلمه أحد ، ويأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسلم عليه ، وهو في مجلسه بعد الصلاة ، ويقول في نفسه : هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا ؟ ثم يصلي قريبا منه ، ويسارقه النظر فإذا أقبل كعب على صلاته [ ص: 102 ] نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإذا التفت نحوه أعرض عنه حتى طال ذلك عليه من جفوة المسلمين ، ثم مر كعب حتى تسور جدار أبي قتادة وهو ابن عمه وأحب الناس إليه ، فسلم عليه فلم يرد عليه السلام ، فقال له : يا أبا قتادة ، أنشدك الله ، هل تعلم أني أحب الله ورسوله ؟ فسكت فعاد ينشده ، فسكت فعاد ينشده ، فقال الله ورسوله أعلم ، ففاضت عينا كعب ، ووثب فتسور الجدار ، ثم غدا إلى السوق فبينا هو يمشي ، وإذا نبطي من نبط الشام يسأل عنه ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة ، وهو يقول : من يدل على كعب بن مالك ، فجعل الناس يشيرون إليه حتى جاء كعبا ، فدفع إليه كتابا من ملك غسان في سرقة حرير فيه : أما بعد ، فإنه بلغنا أن صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك الله بدار هوان ، ولا مضيعة ، فالحق بنا نواسك ، فلما قرأ كعب الكتاب قال : وهذا من البلاء أيضا قد بلغ بي ما وقعت فيه أن طمع في رجل من أهل الشرك ، ثم عمد بالكتاب إلى تنور فسجره به ، ثم أقام على ذلك حتى إذا مضى أربعون ليلة أتاه رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك ، فقال كعب : أطلقها أم ماذا ؟ قال : بل اعتزلها ولا تقربها ، وأرسل [ ص: 103 ] إلى مرارة وهلال بمثل ذلك ، فقال كعب لامرأته الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر ما هو قاض ، وجاءت امرأة هلال بن أمية ، فقالت : يا رسول الله ، إن هلال بن أمية شيخ كبير ضائع لا خادم له ، أفتكره أن أخدمه قال : لا ، ولكن لا يقربنك . قالت : والله يا رسول الله ما به من حركة إلي ، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا ، والله لقد تخوفت على بصره فلبثوا بعد ذلك عشر ليال حتى كمل خمسون ليلة من حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامهم ، فصلى كعب بن مالك الصبح على ظهر بيت من بيوته على الحال التي ذكر الله منه ، ضاقت عليه الأرض برحبها ، وضاقت عليه نفسه ، إذ سمع صوت صارخ أوفى على سلع يقول بأعلى صوته : يا كعب بن مالك ، أبشر ، فخر كعب لله ساجدا ، وعرف أنه قد جاء الفرج ، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله عليهم حين صلى الصبح ، ثم جاء كعبا الصارخ بالبشرى ، فنزع ثوبيه فكساهما إياه ببشارته ، واستعار ثوبين فلبسهما ، ثم انطلق يؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتلقاه الناس يتهنأونه بالتوبة ويقولون : ليهنك توبة الله عليك حتى دخل المسجد [ ص: 104 ] ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس ، فقام إليه طلحة بن عبيد الله فحياه وهنأه ، فلما سلم كعب على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يبرق بالسرور : أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ، فقال كعب : أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ؟ قال : بل من عند الله ، ثم جلس بين يديه فقال : يا رسول الله ، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك، فقال : إني ممسك سهمي الذي بخيبر ، ثم قال : يا رسول الله ، إن الله قد نجاني بالصدق ، فإن توبتي إلى الله أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت ، فتلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار ، إلى قوله : إن الله هو التواب الرحيم

التالي السابق


الخدمات العلمية