صفحة جزء
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يحج حجة الوداع فأذن في الناس أنه خارج ، فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى ذا الحليفة فولدت أسماء بنت [ ص: 125 ] عميس محمد بن أبي بكر ، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف أصنع ؟ قال اغتسلي ، واستثفري بثوب وأخرى ، ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ، وأمر ببدنة أن تشعر ، وسلت عنها الدم ، ثم ركب القصواء ، فلما استوت به ناقته على البيداء أهل ، وإن بين يديه وخلفه ، وعن يمينه ويساره من الناس ما بين راكب وماش ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم ، فأهل : لبيك اللهم لبيك ، لا شريك لك لبيك إن الحمد ، والنعمة لك ، والملك لا شريك لك ، وأهل الناس معه ، فمنهم من أهل مفردا ، ومنهم من أهل قارنا حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة من الثنية ، فلما دخل مكة توضأ إلى الصلاة ، ثم دخل من باب بني شيبة ، فلما أتى الحجر استلمه ، ورمل ثلاثا ، ومشى أربعا ، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ، وجعل المقام بينه وبين البيت ، وصلى ركعتين قرأ فيهما : قل هو الله أحد و: قل يا أيها الكافرون ، ثم رجع إلى الركن فاستلمه ، ثم خرج من الباب إلى الصفا ، فلما رقي على الصفا قرأ : إن الصفا والمروة من شعائر الله ، وقال : أبدأ بما بدأ الله ، فلما رقي عليها ورأى البيت استقبل القبلة وقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، لا إله إلا الله وحده ، أنجز وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده - قال ذلك ثلاث مرات - فلما نزل إلى المروة حتى انصبت قدماه في بطن الوادي [ ص: 126 ] خب حتى إذا صعد مشى ، فلما أتى المروة صعد عليها ، وفعل عليها ما فعل على الصفا ، حتى إذا كان آخر طواف على المروة ، فقال : لو استقبلت ما استدبرت لم أسق الهدي ، ولجعلتها عمرة ، فمن كان منكم ليس معه هدي فليحل ، وليجعلها عمرة . فقال سراقة بن مالك بن جعشم : يا رسول الله لعامنا هذا أو للأبد ؟ فشبك رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصابعه ، وقال : دخلت العمرة في الحج - مرتين - لا بل للأبد .

وقدم علي من اليمن فوجد فاطمة قد لبست ثياب صبغ واكتحلت ، فأنكر ذلك عليها ، فقالت أبي أمرني بهذا ، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي : بم فرضت الحج ؟ قال : قلت : اللهم إني أهل بما أهل به رسولك ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإن معي الهدي فلا تحل ، فكان الهدي الذي قدم به علي بن أبي طالب من اليمن ، والذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم مائة ، فحل الناس وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن كان معه هدي ، واعتل سعد بن أبي وقاص ، فدخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى سعد ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ما يبكيك ؟ فقال : خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها كما مات سعد بن [ ص: 127 ] خولة ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم اشف سعدا - ثلاثا - فقال : يا رسول الله ، إن لي مالا كثيرا ، وأنعما ، ومورثتي بنت لي واحدة ، أفأوصي بمالي كله ؟ قال : لا . قال : فالنصف ؟ قال : لا . قال : الثلث ؟ قال الثلث والثلث كثير ، إنك إن صدقت مالك صدقة ، وإن نفقتك على عيالك صدقة ، وما تأكل امرأتك من طعامك صدقة ، وأن تدع أهلك بخير خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ، ولا تردهم على أعقابهم ، لكن البائس سعد بن خولة يرثي له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مات بمكة .

فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى ، وأهل الناس بالحج ، فصلى بهم الظهر ، والعصر ، والمغرب ، والعشاء ، والصبح بمنى ، ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس ، وأمر بقبة له فضربت له بنمرة ، ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا تشك قريش إلا أنه ، واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية ، فجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاء عرفة ، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة ، فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له ، فلما أتى بطن الوادي خطب الناس ، وقال في خطبته إن دماءكم ، وأموالكم لكم حرام كحرمة [ ص: 128 ] يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ، ودماء الجاهلية موضوعة ، فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن ، وكسوتهن بالمعروف ، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به : كتاب الله ، وأنتم تسألون عني ، فماذا أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أنك قد بلغت ، وأديت ، ونصحت ، فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء : اللهم اشهد ، ثم أذن ، وأقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ولم يصل بينهما شيئا ، ثم ركب حتى أتى الموقف ، فجعل بطن القصواء إلى الصخرة ، وجعل جبل المشاة بين يديه ، واستقبل القبلة فلم يزل واقفا - والمسلمون معه - حتى غربت الشمس ، وذهبت الصفرة قليلا ، ثم أردف أسامة بن زيد خلفه ، ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد شفق للقصواء الزمام ، ويقول بيده اليمنى : أيها الناس ، السكينة كلما أتى جبلا من الجبال أرخى لها قليلا حتى تصعد ، فلما أتى المزدلفة صلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ، ولم يسبح بينهما شيئا ، ثم اضطجع حتى طلع الفجر ، وصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة ، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل [ ص: 129 ] القبلة ودعا وكبر وهلل ، ثم لم يزل واقفا حتى أسفر جدا ، ثم دفع قبل أن تطلع الشمس ، وأردف الفضل بن عباس حتى أتى محسر ، فسلك الطريق الوسطى التي تخرج إلى الجمرة الكبرى ، فلما أتى الجمرة رماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ، رماها من بطن الوادي بمثل حصى الخذف ، ثم انصرف إلى المنحر ، فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده ، ثم أعطى فنحر ما غبر منها ، وأشركه في هديه ، وأمر من كل بدنة ببضعة ، فجعلت في قدر فطبخت ، فأكلا من لحمها ، وشربا من مرقها ، ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم القصواء فأتى البيت فطاف طواف الزيارة ، ثم قال : يا بني عبد المطلب انزعوا ، فلولا أن يغلبكم الناس لنزعت منكم ، فناولوه دلوا من زمزم فشرب منه ، ثم رجع - صلى الله عليه وسلم - إلى منى وصلى الظهر بها ، ثم أقام بها أيام منى ، ثم ودع البيت وخرج إلى المدينة حتى دخلها والمسلمون معه ، فأقام بالمدينة بقية ذي الحجة والمحرم وبعض صفر .

التالي السابق


الخدمات العلمية