صفحة جزء
( ذكر وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) أخبرنا أبو يعلى ، حدثنا أحمد بن جميل المروزي ، ثنا عبد الله بن المبارك ، [ ص: 130 ] أنا معمر ، عن يونس ، عن الزهري ، أخبرني أنس بن مالك أن المسلمين بينما هم في صلاة الفجر يوم الاثنين ، وأبو بكر يصلي لهم لم يفجأهم إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كشف ستر حجرة عائشة ، فنظر إليهم وهم صفوف في صلاتهم ، ثم تبسم ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف ، وظن أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد أن يخرج إلى الصلاة ، وهم المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين رأوه ، فأشار إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن اقضوا صلاتكم ، ثم دخل الحجرة وأرخى الستر بينه وبينهم ، وتوفي في ذلك اليوم .

قال : أول ما اشتكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ذلك يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر ، وهو في بيت ميمونة حتى أغمي عليه من شدة الوجع ، فاجتمع عنده نسوة من أزواجه ، والعباس بن عبد المطلب ، وأم سلمة ، وأسماء بنت عميس الخثعمية - وهي أم عبد الله بن جعفر - ، وأم الفضل بنت الحارث - وهي أخت ميمونة - فتشاوروا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أغمي عليه ، فلدوه وهو مغمر ، فلما أفاق قال : من فعل بي هذا ؟ قالوا : يا رسول الله ، عمك العباس . قال : هذا عمل [ ص: 131 ] نساء جئن من هاهنا - وأشار إلى أرض الحبشة - فقالوا : يا رسول الله ! أشفقن أن يكون بك ذات الجنب ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما كان الله ليعذبني بذلك الداء ، ثم قال : لا يبقين أحد في الدار إلا لد إلا العباس .

فلما ثقل برسول الله - صلى الله عليه وسلم - العلة ، استأذنت عائشة أزواجه أن تمرضه في بيتها فأذن لها ، فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين رجلين تخط رجلاه في الأرض : بين عباس وعلي ، حتى دخل بيت عائشة ، فلما دخل بيتها اشتد وجعه فقال : أهريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن ; لعلي أعهد إلى الناس ، فأجلسوه في مخضب لحفصة ، ثم صب عليه من تلك القرب ، حتى جعل يشير إليهن بيده أن قد فعلتن ، ثم قال : ضعوا لي في المخضب ماء . ففعلوا فذهب لينوء فأغمي عليه ، ثم أفاق قال : ضعوا لي في المخضب ماء ففعلوا ، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ، فأفاق وقال : أصلى الناس بعد ؟ قالوا : لا يا رسول الله ، وهم ينتظرونك ، والناس عكوف ينتظرون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ; ليصلي بهم العشاء الآخرة ، فقال : مروا أبا بكر أن يصلي بالناس ، فقالت عائشة : يا رسول الله ، إن أبا بكر رجل رقيق ، وإنه إذا قام مقامك بكى ، فقال : مروا أبا بكر يصلي بالناس ، ثم أرسل إلى أبي بكر ، فأتاه الرسول فقال : [ ص: 132 ] إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرك أن تصلي بالناس ، فقال أبو بكر : يا عمر ، صل بالناس . فقال : أنت أحق ، إنما أرسل إليك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام .

ثم وجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نفسه خفة ، فخرج لصلاة الظهر بين العباس وعلي ، وقال لهما : أجلساني عن يساره ، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس ، والناس يصلون بصلاة أبي بكر ، ثم وجد خفة - صلى الله عليه وسلم - فخرج فصلى خلف أبي بكر قاعدا في ثوب واحد ، ثم قام وهو عاصب رأسه بخرقة ، حتى صعد المنبر ، ثم قال : والذي نفسي بيده ، إني لقائم على الحوض الساعة ، ثم قال : " إن عبدا عرضت عليه الدنيا وزينتها فاختار الآخرة " ، فلم يفطن لقوله إلا أبو بكر ، فذرفت عيناه وبكى وقال : بأبي وأمي ! نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا ! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن أمن الناس علي في بدنه ودينه وذات يده أبو بكر ، ولو كنت متخذا خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ولكن أخوة الإسلام سدوا كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر ، ثم نزل ودخل البيت وهي آخر خطبة خطبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

[ ص: 133 ] فلما كان يوم الاثنين كشف الستارة من حجرة عائشة ، والناس صفوف خلف أبي بكر ، وكأن وجهه ورقة مصحف ، فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فأشار إليهم أن مكانكم ، وألقى السجف ، وتوفي آخر ذلك اليوم
، وكان ذلك اليوم لاثنتي عشرة خلون من شهر ربيع الأول . وكان مقامه بالمدينة عشر حجج سواء ، وكانت عائشة تقول : توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيتي ويومي ، وبين سحري ونحري ، وكان أحدنا يدعو بدعاء إذا مرض ، فذهبت أعوذ فرفع رأسه إلى السماء ، وقال : في الرفيق الأعلى ، ومر عبد الرحمن بن أبي بكر ، وفي يده جريدة خضراء رطبة فنظر إليه ، فظننت أن له بها حاجة ، فأخذتها فمضغت رأسها ثم دفعتها إليه ، فاستن بها ، ثم ناولنيها ، وسقطت من يده ، فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة . وكان أبو بكر في ناحية المدينة فجاء فدخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو مسجى ، فوضع فاه على جبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وجعل يقبله ويبكي ويقول : بأبي وأمي ، طبت حيا وطبت ميتا ، فلما خرج ومر بعمر بن الخطاب ، وعمر يقول : ما مات رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا يموت حتى يقتل المنافقين ويخزيهم ، وكانوا قد [ ص: 134 ] رفعوا رؤوسهم لما رأوا أبا بكر ، فقال أبو بكر لعمر : أيها الرجل ، أربع على نفسك ، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد مات ، ألم تسمع الله يقول : إنك ميت وإنهم ميتون ، وقال : وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون ، ثم أتى أبو بكر المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إن كان محمد إلهكم الذي تعبدونه ، فإن إلهكم قد مات ، وإن كان إلهكم الذي في السماء ، فإن إلهكم لم يمت ، ثم تلا :وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم حتى ختم الآية ، وقد استيقن المؤمنون بموت محمد - صلى الله عليه وسلم - .

التالي السابق


الخدمات العلمية