صفحة جزء
( ذكر وصف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) أخبرنا عمر بن سعيد بن سنان الطائي - يخبر بإسناد ليس له في القلب وقع - ثنا سفيان بن وكيع بن الجراح ، ثنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجلي ، أملاه علينا من كتابه ، ثنا رجل من بني تميم من ولد أبي هالة زوج خديجة ، يكنى أبا عبد الله عن ابن لأبي هالة ، عن الحسن بن علي قال : سألت خالي هند بن أبي هالة - وكان وصافا - من حديث النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا أتعلق به فقال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فخما مفخما ، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر ، أطول من المربوع ، وأقصر من المشذب ، عظيم الهامة ، رجل الشعر ، إن انفرقت عقيصته فرق وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه إذا هو وفره ، أزهر اللون ، واسع الجبين ، أزج الحواجب [ ص: 146 ] سوابغ في غير قرن بينهما عرق يدره الغضب ، أقنى العرنين ، له نور يعلوه ، يحسبه من لم يتأمله أشم ، كث اللحية ، سهل الخدين ، ضليع الفم ، أشنب ، مفلج الأسنان ، دقيق المسربة ، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة ، معتدل الخلق ، بادنا متماسكا ، سواء البطن والصدر ، عريض الصدر ، بعيد ما بين المنكبين ، ضخم الكراديس ، أنور المتجرد ، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط ، عاري اليدين والبطن مما سوى ذلك ، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر ، طويل الزندين ، رحب الراحة ، شثن الكفين والقدمين ، سائر أو سائل - شك ابن سعيد - الأطراف ، خمصان الأخمصين ، مسيح القدمين ، ينبو عنهما الماء ، إذا زال زال قلعا ، يخطو تكيفا ، ويمشي هونا ، ذريع المشية إذا مشى ، كأنما ينحط من صبب ، وإذا التفت التفت جميعا ، خافض الطرف ، نظره إلى الأرض أكثر من نظره إلى السماء ، جل نظره الملاحظة ، يسوق أصحابه ، يبدأ من لقي بالسلام .

قال : قلت : صف لي منطقه فقال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متواصل الأحزان ، دائم الفكرة ، ليست له راحة طويل السكت [ ص: 147 ] ، لا يتكلم في غير حاجة ، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه ، ويتكلم بجوامع الكلم ، فضل لا فضول ولا تقصير ، دمث ليس بالجافي ولا بالمهين ، يعظم النعمة وإن دقت ، لا يذم شيئا غير أنه لا يذم ذواقا ولا يمدحه ، ولا تغضبه الدنيا ، وما كان لها ، فإذا نوزع الحق لم يعرفه أحد ، ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر ، لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها ، إذا أشار أشار بكفه كلها ، وإذا تعجب قلبها ، وإذا تحدث اتصل بها فضرب براحته اليمنى باطن كفه اليسرى ، وإذا غضب أعرض وأشاح ، وإذا فرح غض طرفه ، جل ضحكه التبسم ، ويفتر عن مثل حب الغمام ، قال الحسن : فكتمتها الحسين زمانا ، ثم حدثته فوجدته قد سبق إليه وسأله عما سألته
.

قال الحسين : فسألت أبي عن دخول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : كان دخوله لنفسه مأذون له في ذلك ، كان إذا أوى إلى منزله جزأ نفسه ثلاثة أجزاء : جزءا لله ، وجزءا لأهله ، وجزءا لنفسه ، ثم جزأ جزءا بينه وبين الناس ، فيرد ذلك بالخاصة على العامة ، ولا يدخر عنهم شيئا ، وكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بأذنه [ ص: 148 ] وقسمه على قدر فضلهم في الدين ، فمنهم ذو الحاجة ، ومنهم ذو الحاجتين ، ومنهم ذو الحوائج ، فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما يصلحهم ، وإلا معه من مسألتهم يلائمهم ويخبرهم بالذي ينبغي لهم ويقول : ليبلغ الشاهد منكم الغائب ، وأبلغوا في حاجة من لا يستطيع إبلاغها ، فإن من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها يثبت الله قدميه يوم القيامة ، لا يذكر عنده إلا ذلك ، ولا يقبل من أحد غيره ، يدخلون روادا ولا يفترقون إلا عن ذواق ، ويخرجون أذلة .

قال : فسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه ؟ قال : كان يخزن لسانه إلا فيما يعنيه ، ويؤلفهم ولا ينفرهم ، ويكرم كريم القوم ويوليه عليهم ، ويحذر الناس ويحترس منهم من غير أن يظهر على أحد بسره ، ويتفقد أصحابه ، ويسأل الناس عما في الناس ، ويحسن الحسن ويقويه ، ويقبح القبيح ويوهنه ، معتدل الأمر ، غير مختلف ، لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا ، لكل حال عنده عتاد ، ولا يقصر عن الحق ولا يجاوزه ، الذين يلونه من الناس خيارهم ، وأفضلهم عنده أعمهم نصيحة [ ص: 149 ] ، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مؤاساة ومؤازرة .

قال : فسألته عن مجلسه فقال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر ، لا يوطن الأماكن ، وينهى عن إيطانها ، وإذا جلس إلى قوم جلس حيث انتهى المجلس ، ويأمر بذلك ، ويعطي كل جلسائه نصيبه ، لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه ، من جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المتصرف ، ومن سأله عن حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول ، قد وسع الناس منه بسطة وخلقة ، فصار للناس أبا ، وصاروا في الحق عنده سواء ، مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة ، لا ترفع فيه الأصوات ، ولا تؤبن فيه الحرم ، ولا تنثى فلتاته ، متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى ، متواضعين ، يوقرون الكبير ، ويرحمون الصغير ، ويؤثرون ذوي الحاجة ، ويحفظون الغريب .

قال : فسألته عن سيرته في جلسائه فقال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دائم البشر ، سهل الخلق ، لين الجانب ، ليس بفظ ، ولا غليظ ، ولا صخاب ، ولا فحاش ، ولا عياب ، ولا مزاح ، يتغافل عما لا يشتهي [ ص: 150 ] ولا يؤيس منه ، ولا يخيب فئة ، قد نزه نفسه من ثلاث : كان لا يذم أحدا ، ولا يعيره ، ولا يطلب عورته ، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه ، وإذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير ، وإذا سكت تكلموا ، ولا يتنازعون عنده الحديث ، من تكلم صمتوا له حتى يفرغ ، جل حديثه عندهم حديث أولاهم ، يضحك مما يضحكون منه ، ويتعجب مما يعجبون منه ، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ; حتى أن كان أصحابه يستجلبونهم ويقول : إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فارفدوه ، ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز ، فيقطعه بنهي أو قيام .

قال : وسألته : كيف كان سكوت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : كان سكوته على أربعة : على الحلم ، والحذر ، والتقدير ، والتفكر ، فأما تقديره ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس ، وأما تفكره ففيما يبقى ويفنى ، وجمع له الحلم في الصبر فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزه ، وجمع له الحذر في أربعة : أخذه بالحسن ليقتدى به ، وتركه القبيح ليتناهى عنه ، وإجهاده الرأي فيما يصلح أمته ، والقيام فيما يجمع لهم فيه [ ص: 151 ] خير الدنيا والآخرة
.

قال أبو حاتم : قد ذكر جمل ما يحتاج إليه من مولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومبعثه وأيامه وهجرته إلى أن قبضه الله إلى جنته ، ثم إنا ذاكرون بعده الخلفاء الأربعة بأيامهم ، وجمل ما يحتاج إليه من أخبارهم ; ليكون ذلك طريقا للمتأسين بهم ، إذ المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أمر بذلك الحديث حيث قال : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي ، وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة ، وكل بدعة ضلالة " ، جعلنا الله وإياكم من المتبعين لسنته المبادرين إلى لزوم طاعته إنه الفعال لما يريد بكم .

آخر مولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومبعثه ويتلوه كتاب الخلفاء إن شاء الله تعالى

التالي السابق


الخدمات العلمية