صفحة جزء
ثم قام أبو بكر في الناس خطيبا بعد خطبته الأولى فقال : الحمد لله أحمده وأومن بوحدانيته وأستعينه على أمركم كله سره وعلانيته ، ونعوذ بالله مما يأتي به الليل والنهار وترتكب عليه السر والجهار ، وأشهد أن لا إله إلا الله حافظا ونصيرا ، وأن محمدا عبده ورسوله بالحق بشيرا ونذيرا ، قدام الساعة فمن أطاعه رشد ، ومن عصاه هلك وشرد ، فعليكم أيها الناس بتقوى الله فإن أكيس الكيس التقوى ، وإن أحمق الحمق الفجور ، فاتبعوا كتاب الله ، واقبلوا نصيحته ، واقتدوا بسنة رسوله ، وخذوا شريعته ، فإن الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات وهو الحكيم [ ص: 160 ] العليم ، " وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا " الآية ، واحذروا الخطايا التي لكل بني آدم فيها نصيب ، وتزودوا للآخرة فإن المصير إليها قريب ، ولكن خيركم من اتبع طاعة الله واجتنب معصيته ، فاحذروا يوما لا ينفع فيه من حميم ولا شفيع ، ولا حميم يطاع ، وليعمل عامل ما استطاع من عمل يقربه إلى ربه ، واعملوا من قبل أن لا تقدروا على العمل ، وإن الله لو شاء لخلقكم سدى ، ولكن جعلكم أئمة هدى ، فاتبعوا ما أمركم الله به واجتنبوا ما نهاكم عنه ، واعملوا الخير فإن قليله كثير نام مبارك ، واتقوا الله حق تقاته ، واحذروا ما حذركم في كتابه ، وتوقوا معصيته خشية من عقابه ، فليس فيها رغبة لأحد ، واستعفوا عما حرم الله وأمر باجتنابه ، وإياكم والمحقرات فإنها تقرب إلى الموجبات ، واعملوا قبل أن لا تعملوا ، وتوبوا من الخطايا التي لا يغسلها إلا الله برحمته ، وصلوا على نبيكم كما أمركم ربكم ، ثم قال : أيها الناس ، إن الذي رأيتم مني لم يكن على حرص على ولايتكم ، ولكني خفت الفتنة والاختلاف فدخلت فيها ، وهأنذا وقد رجع الأمر إلى أحسنه ، وكفى الله تلك الثائرة ، وهذا أمركم إليكم تولوا من أحببتم من الناس ، وأنا أجيبكم على ذلك ، وأكون كأحدكم ، فأجابه الناس : رضينا بك قسما وحظا ، إذ أنت ثاني اثنين مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال أبو بكر : اللهم صل على محمد والسلام على محمد ، ورحمة الله وبركاته ، اللهم إنا نستعينك [ ص: 161 ] ونستغفرك ، ونثني عليك ، ولا نكفرك ، ونؤمن بك ونخلع من يكفرك .

ثم نزل ، واستقام له الأمر بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبايعه الناس ، ورضوا به ، وسموه خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا شرذمة مع علي بن أبي طالب تخلفوا عن بيعته .

التالي السابق


الخدمات العلمية