صفحة جزء
وقد أكثر الناس في قتل عثمان ، فمنهم من قد زعم أنه قتل ظالما ، ومنهم من قد زعم أنه قتل مظلوما ، وكان الإكثار في ذلك على طلحة والزبير . قالت قريش : أيها الرجلان ، إنكما قد وقعتما في ألسن الناس في أمر عثمان فيما وقعتما فيه ، فقام طلحة في الناس ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال : أيها الناس ، ما قلنا [ ص: 269 ] في عثمان أمس إلا نقول لكم فيه اليوم مثله أنه خلف الدنيا بالتوبة ، ومال عليه قوم فقتلوه ، وأمره إلى الله ، ثم قام الزبير فحمد الله ، وأثنى عليه بما هو أهله ، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : يا أيها الناس ، إن الله اختار من كل شيء شيئا ، واختار من الناس محمدا صلى الله عليه وسلم ، أرسله بالهدى ودين الحق ، ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ، واختار من الشهور رمضان ، وأنزل فيه القرآن ، وفرض فيه الصيام ، واختار من الأيام يوم الجمعة فجعله عيدا لأهل الإسلام ، واختار من البلدان هذين الحرمين : مكة والمدينة ، فجعل بمكة البيت الحرام ، وجعل بالمدينة حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجعل ما بين قبره ومنبره روضة من رياض الجنة ، واختار من الشورى التسليم ، كما اختار هذه الأشياء ، فأذهبت الشورى بالهوى والتسليم بالشك ، وقد تشاورنا فرضينا عليا ، وأما إن قتل عثمان فأمره إلى الله .

فلما رأى علي اختلاف الناس في قتل عثمان ، صعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، أقبلوا علي بأسماعكم وأبصاركم ، إن الناس بين حق وباطل ، فلئن علا أمر الباطل لقديما ما فعل ، وإن يكن الحق قد غاب فلعل ، وإني أخاف أن أكون أنا وأنتم قد أصبحنا في فتنة ، وما علينا فيها إلا الاجتهاد ، الناس اثنان وثلاثة لا سادس لهم : ملك [ ص: 270 ] طار بجناحيه ، أو نبي أخذ الله بيده ، أو عامل مجتهد ، أو مؤمل يرجو ، أو مقصر في النار ، وإن الله أدب هذه الأمة بأدبين : بالسيف والسوط ، لا هوادة عند السلطان فيهما ، فاستتروا ، واستغفروا الله ، فأصلحوا ذات بينكم .

ثم نزل ، وعمد إلى بيت المال ، وأخرج ما فيه ، وفرقه على المسلمين ، ثم بعث إلى سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة ، فقال : لقد بلغني عنكم هنات ، فقال سعد : صدقوا ، لا أبايعك ، ولا أخرج معك حيث تخرج حتى تعطيني سيفا يعرف المؤمن من الكافر ، وقال له ابن عمر : أنشدك الله والرحم أن تحملني على ما لا أعرف ، والله لا أبايع حتى يجتمع المسلمون على من جمعهم الله عليه ، وقال محمد بن مسلمة : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني إذا اختلف أصحابه ألا أدخل فيما بينهم ، وأن أضرب بسيفي صخر أحد ، فإذا انقطع أقعد في بيتي حتى يأتيني يد خاطئة أو منية قاضية ، وقد فعلت ذلك ، ثم دعا علي أسامة بن زيد ، وأراده على البيعة ، فقال أسامة : أما البيعة فإنني أبايعك ، أنت أحب الناس إلي وآثرهم عندي ، وأما القتال فإني عاهدت [ ص: 271 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أقاتل رجلا يشهد أن لا إله إلا الله ، فلما رآهم علي مختلفين ، قال : أخرجوني من هذه البيعة ، واختاروا لأنفسكم من أحببتم ، فسكتوا وقاموا وخرجوا ، فدخل عليه المغيرة بن شعبة ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إني مشير عليك بخلال ثلاث ، فافعل أيها شئت ، فقال : ما هي يا أعور ؟ فقال : إني أرى من الناس بعض التثاقل فيك ، فأرى أن تأتي بجمل ظهر فتركبه وتركض في الأرض هاربا من الناس ، فإنهم إذا رأوا ذلك منك ابتاعوا جمالا أظهر من جمالك وخيولا ، ثم ركضوا في أثرك ، حتى يدركوك حيث ما كنت ، ويقلدوك هذا الأمر على اجتماع منهم شئت أو أبيت ، فإن لم تفعل هذا ، فأقر معاوية على الشام كله ، واكتب إليه كتابا بذلك تذكر فيه من شرفه وشرف آبائه ، وأعلمه أنك ستكون له خيرا من عمر وعثمان ، واردد عمرو بن العاص على مصر ، واذكر في كتابك شرفه وقدمه ، فإنه رجل يقع الذكر منه موقعا ، فإذا ثبت الأمر أذنت لهما حينئذ في القدوم عليك تستخبرهما عن البلاد والناس ، ثم تبعث بعاملين وتقرهما عندك ، فإن أبيت ، فاخرج من هذه البلاد فإنها ليست ببلاد كراع وسلاح .

فقال علي : أما ما ذكرت من فراري من الناس ، فكيف أفر منهم وقد بايعوني ، وأما أمر معاوية وعمرو بن العاص ; فلا يسألني الله عن إقرارهما ساعة واحدة في سلطاني ، وما كنت متخذ المضلين عضدا ، وأما خروجي من هذه البلاد إلى غيرها ، فإني ناظر في ذلك ، فخرج من عنده المغيرة ، ثم عاد وهو عازم على الخروج إلى الشام واللحوق بمعاوية ، فقال له : [ ص: 272 ] يا أمير المؤمنين أشرت عليك بالأمس في رأيي بمعاوية وعمرو ، إن الرأي أن تعاجلهم بالنزع ، فقد عرف السامع من غيره ، وتستقبل أمرك ، ثم خرج من عنده ، فلقيه ابن عباس خارجا وهو داخل ، فلما انتهى إليه قال : رأيت المغيرة خارجا من عندك ، فيم جاءك ؟ قال : جاءني أمس برأي واليوم برأي ، وأخبره بالرأيين ، فقال ابن عباس : أما أمس فقد نصحك ، وأما اليوم فقد غشك ، قال : فما الرأي ؟ قال ابن عباس : كان الرأي قبل اليوم ، قال : علي : علي ذلك ، قال : كان الرأي أن تخرج إلى مكة ، حتى تدخلها وتدخل دارا من دورها وتغلق عليك بابك ، فإن الناس لم يكونوا ليدعوك ، وإن قريشا كانت تضرب الصعب والذلول في طلبك ; لأنها لا تجد غيرك ، فأما اليوم فإن بني أمية يستحسنون الطلب بدم صاحبهم ، ويشبهون على الناس بأن يلزموك شعبة من أمره ، ويلطخونك من ذلك ببعض اللطخ ، فهم علي بالنهوض إلى الشام ليزور أهلها ، وينظر ما رأي معاوية وما هو صانع ، فجاءه أبو أيوب الأنصاري ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، لو أقمت بهذه البلاد ; لأنها الدرع الحصينة ، ومهاجرة للنبي صلى الله عليه وسلم ، وبها قبره ومنبره ومادة الإسلام [ ص: 273 ] فإن استقامت لك العرب كنت فيها كمن كان ، وإن تشعب عليك قوم رميتهم بأعدائهم ، وإن ألجئت حينئذ إلى المسير سرت وقد أعذرت ، فقال علي : إن الرجال والأموال بالعراق ، ولن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ، ثم أخذ بما أشار عليه أبو أيوب الأنصاري ، وعزم على المقام بالمدينة .

التالي السابق


الخدمات العلمية