صفحة جزء
ثم كانت غزوة خيبر

خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بقية المحرم إلى خيبر ، واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري ، وقدم عينا له ليجيئه بالخبر ، وأخرج من نسائه أم سلمة ، وخرج على الأموال بجيشه فلا يمر بمال إلا أخذه ، ويقتل من فيه ، ويفتتحها حصنا حصنا ، فأول ما أصاب منها حصن ناعم ، ثم حصن الصعب بن معاذ ، ثم حصن القموص ، فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى حصنهم الوطيح ، والسلالم ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا أصبح قوما أو غزا [ ص: 11 ] لم يغر عليهم حتى يصبح ، فإن سمع أذانا أمسك ، وإن لم يسمع أذانا أغار ، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبلهم عمال خيبر بمساحيهم ، ومكاتلهم ، فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم والجيش ، قالوا : محمد ، والله ، والخميس ، وأدبروا هرابا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أكبر الله أكبر خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ، فخرج مرحب اليهودي من الحصن يرتجز ، ويطلب البراز ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لهذا ؟ فقال محمد بن مسلمة ، أنا يا رسول الله ، فلما دنا أحدهم من صاحبه بادر مرحب بالسيف ، فاتقاه محمد بن مسلمة بدرقته ، فوقع سيفه فيها ، وعضت به الدرقة ، فأمسكت فضربه محمد بن مسلمة فقتله ، ثم بعث رسول الله [ ص: 12 ] صلى الله عليه وسلم رجلا يقاتل ، فمر ورجع ، ولم يكن فتحا ، ثم بعث آخر يقاتل ، فمر ورجع ، ولم يكن فتحا ، وحمي الحرب بينهم ، وتقاعسوا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله [ ص: 13 ] ويحبه الله ورسوله ، يفتح الله على يديه ليس بفرار ، فلما أصبح دعا عليا ، وهو أرمد فتفل في عينيه فبرأ ، ثم قال : خذ هذه الراية ، واقبض بها حتى يفتح الله عليك ، فخرج علي يهرول ، والمسلمين خلفه حتى ركز رايته في رضم من حجارة ، فاطلع عليه يهودي من رأس الحصن ، وقال : من أنت ؟ فقال ، أنا علي بن أبي طالب ، فقال اليهودي : علوتم ، وما أنزل على موسى ، فلم يزل علي يقاتل حتى سقط ترسه من يده ، ثم تناول بابا صغيرا كان عند الحصن فاترس به ، فلم يزل في يده ، وهو يقاتل حتى فتح الله عليه [ ص: 14 ] ثم ألقاه من يده ، فلما أيقن اليهود بالهلكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحقن دماءهم ، وأن يسيرهم ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، فنزلوا على ذلك وقالوا : يا محمد ، إنا نحن أرباب الأموال ، ونحن أعلم بها منكم ، فعاملناها فعاملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الخيبر على النصف ، فلما فعل ذلك أهل خيبر سمع بذلك أهل فدك بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم محيصة بن مسعود ، فنزلوا على ما نزلت عليه اليهود بخيبر على أن يسيرهم ، ويحقن دماءهم ، فعاملهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على مثل معاملة أهل خيبر ، فكانت فدك لرسول الله صلى الله عليه [ ص: 15 ] وسلم خالصة ، وذلك أنه لم يوجف عليها بخيل ، ولا ركاب ، وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر على ألف وثمانمائة سهم ، وكان الرجال بها ألفا وأربعمائة ، والفرس مائتي فرس ، فقسم للفارس ثلاثة أسهم : سهمين لفرسه ، وسهما له ، وللرجل سهما ، فكان للأفراس أربعمائة ، ولركابها ، ولرجالهم ألف ، وأربعمائة سهم ، وكان سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عاصم بن عدي ، ثم أطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا مشوا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبين أهل فدك في الصلح ، وأعطى محيصة بن مسعود ثلاثين وسقا من شعير ، وثلاثين وسقا من تمر ، وقسم سهم ذوي القربى من خيبر على بني هاشم ، وبني المطلب فكانت قسمة خيبر على ما وصفنا ، وكانت صفية بنت حيي بن أخطب في السبي ، أخرجوها [ ص: 16 ] من حصن القموص فاصطفاها رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه ، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آنية المشركين ، فقال : اغسلوها ، وكلوا فيها ، وأطعموا ، وأطعم رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعا من نسائه اللاتي توفي ، وهن عنده تسعمائة وسق تمر ، ومن القمح مائة وثمانين وسقا ، فلما فرغوا من الغنائم وقسمها ، أكل المسلمون لحوم الحمر الأهلية ، فأمر مناديا فنادى في الناس إن الله ورسوله ينهيانكم عن المتعة ، وأمر بالقدور أن تكفأ ، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم خطيبا ، فقال : لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره - يعني إتيان الحبائل من السبايا ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصيب امرأة ثيبا من السبي حتى يستبرئها ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنما حتى يقسم ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يركب دابة من غنيمة المسلمين حتى إذا أعجفها ردها فيها ، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه رده ، ثم اطمأن الناس ، وأهدت زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم لرسول الله [ ص: 17 ] صلى الله عليه وسلم شاة مصلية ، وأكثرت فيها من السم ، فلما وضعته بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن هذا العظم يخبرني أنه مسموم ، ثم دعاها فاعترفت ، فقال ما حملك على ذلك ؟ فقالت بلغت من قومي ما لم يخف عليك ، فقلت : إن كان ملكا استرحت منه ، وإن كان نبيا فسيخبر ، فتجاوز عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان بشر بن البراء بن معرور يأكل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكل منها قطعة ، وكان ذلك سبب موته .

التالي السابق


الخدمات العلمية