صفحة جزء
ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتهيؤ لغزوة الروم

في شدة الحر وجدب من البلاد حين طاب الثمار ، وأحبت [ ص: 92 ] الظلال ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يخرج في غزوة إلا ورى بغيرها غير غزوة تبوك هذه ، فإنه أمر التأهب لها لبعد الشقة ، وشدة الزمان ، وحض رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله ، ورغبهم في ذلك ، وحمل رجال من أهل الغنى ، واحتسبوا ، وأنفق عثمان بن عفان في ذلك نفقة عظيمة ، لم ينفق أحد أعظم من نفقته ، ثم إن رجالا من المسلمين أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم البكاؤون ، وهم سبعة نفر فاستحملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكانوا أهل حاجة ، فقال : لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون ، وجاء المعذرون من الأعراب ليؤذن لهم ، فاعتذروا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعذرهم ، وهم بنو غفار ، وقد كان نفر من المسلمين أبطأ بهم النية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تخلفوا عنه من غير شك ولا ارتياب ، منهم كعب بن مالك أخو بني سلمة ، ومرارة بن الربيع أخو بني عمرو بن عوف ، وهلال بن أمية أخو بني واقف ، وأبو خيثمة أخو بني سالم ، وكانوا نفر صدق ، ولا يتهمون في إسلامهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة وضرب معسكره على ثنية الوداع ، وضرب عبد الله بن أبي بن سلول معسكره أسفل منه ، وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب على [ ص: 93 ] أهله ، وأمره بالإقامة فيهم ، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة أخا بني غفار ، فقال المنافقون : والله ما خلفه علينا إلا استثقالا له ، فلما سمع ذلك علي أخذ سلاحه ، ثم خرج حتى لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو نازل بالجرف ، وقال : يا نبي الله ، زعم المنافقون أنك إنما خلفتني استثقالا ، فقال : كذبوا ، ولكني خلفتك لما تركت ورائي ، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك ، ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا أنه لا نبي بعدي ، فرجع علي إلى المدينة ، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين ، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر استقى الناس من بئرها ، فلما راحوا منها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تشربوا من مائها شيئا ، ولا تتوضأوا منه للصلاة ، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل ، ولا تأكلوا منه شيئا ، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسل الله السحاب فأمطر حتى ارتوى الناس ، وتوضأوا ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل في بعض المنازل فضلت ناقته فخرج أصحابه في طلبها ، فقال بعض المنافقين : أليس محمد يزعم أنه نبي ، ويخبركم بخبر السماء ، وهو لا يدري أين ناقته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :والله ما أعلم [ ص: 94 ] إلا ما علمني الله ، وقد علمني أنها في الوادي بين شعب كذا وكذا ، قد حبستها شجرة بزمامها . قال : فانطلقوا حتى تأتوا بها ، فذهبوا فجاءوا بها ، ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل يتخلف عنه الرجل ، فيقولون : والله يا رسول الله تخلف فلان ، فيقول : دعوه فإن يكن فيه خير فسيلحقه الله بكم حتى قيل له : يا رسول الله تخلف أبو ذر ، وأبطأ به بعيره فقال : دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم ، فلما أبطأ على أبي ذر بعيره أخذ متاعه على ظهره ، وترك بعيره ، ثم خرج يتبع أثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ماشيا ، ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض منازله فنظر ناظر من المسلمين ، فقال : يا رسول الله ، رجل على الطريق يمشي وحده ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كن أبا ذر ، فلما تأمله القوم قالوا : يا رسول الله ، هذا والله أبو ذر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رحم الله أبا ذر ، يعيش وحده ، ويموت وحده ، ويبعث وحده ، فانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك ، فلما أتاها أتاه يحنة بن رؤبة صاحب أيلة ، وصالح على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأعطاه الجزية ، وأتاه أهل جرباء وأذرح فأعطوا الجزية ، وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل كتابا ، وهو عندهم فكتب [ ص: 95 ] ليحنة بن رؤبة : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذه أمنة من الله ومن محمد النبي صلى الله عليه وسلم ليحنة بن رؤبة ، وأهل بلده وسيارته في البر والبحر ، فهم في ذمة الله ، وذمة محمد النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن كان معهم من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر ، فمن أحدث منهم حدثا ، فإنه لا يحول ماله دون نفسه ، وإنه طيب للناس ممن أخذه ، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يردونه ولا طريقا يريدونه من بر وبحر ، وكتب جهيم بن الصلت بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وكتب لأهل جرباء وأذرح : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم لأهل أذرح أنهم آمنون بأمان الله ، وأمان محمد ، وأن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة ، والله كفيل عليهم بالنصح والإحسان ، ومن لجأ إليهم من المسلمين ، وقد كان أبو خيثمة أحد بني سالم رجع بعد أن خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى أهله في يوم حار ، فوجد امرأتين له في عريشين لهما في حائط قد رشت كل واحدة منهما عريشها ، وبردت له فيه ماء وهيأت له فيه طعاما ، فلما دخل أبو خيثمة قام على باب العريشين ونظر إلى امرأتيه وما صنعتا له ، فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم في [ ص: 96 ] الريح والحر ، وأبو خيثمة في ظلال باردة ، وطعام مهيأ ، وامرأة حسناء ، في ماله مقيم ؟ ما هذا بالنصف ، ثم قال : والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهيأتا له زادا ، ثم قدم ناضحه فارتحله ، ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فبينا أبو خيثمة يسير إذ لحقه عمير بن وهب الجمحي في الطريق يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب : إن لي ذنبا ، فلا عليك أن تخلف عني حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ففعل عمير ، ثم سار أبو خيثمة حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو نازل بتبوك قال الناس : هذا راكب على الطريق مقبل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كن أبا خيثمة، فقالوا : يا رسول الله ، هو والله أبو خيثمة ، فلما أناخ أقبل وسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم أخبره الخبر ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : خيرا ، ودعا له بخير .

التالي السابق


الخدمات العلمية