صفحة جزء
وولد صلى الله عليه وآله وسلم بمكة في الدار التي كانت تدعى لمحمد بن يوسف أخي الحجاج ، وذلك يوم الاثنين [لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان . وقيل : بل ولد يوم الاثنين] في ربيع الأول لليلتين خلتا منه . قال أبو عمر : وقد قيل لثمان خلون منه .

وقيل . إنه ولد أول اثنين من ربيع الأول ، وقيل : لاثنتي عشرة ليلة خلت منه عام الفيل ، إذ ساقه الحبشة إلى مكة في جيشهم يغزون البيت ، فردهم الله عنه ، وأرسل عليهم طيرا أبابيل [فأهلكتهم] .

وقيل إنه ولد في شعب بني هاشم ، ولا خلاف أنه ولد عام الفيل :

يروى عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الفيل . وهذا يحتمل أن يكون أراد اليوم الذي حبس الله الفيل فيه عن وطء البيت الحرام ، وأهلك الذين جاءوا به . ويحتمل أن يكون أراد بقوله يوم الفيل عام الفيل . وقيل : ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد قدوم الفيل بشهر . وقيل : بأربعين يوما . وقيل بخمسين [ ص: 31 ] يوما .

فأما الخوارزمي محمد بن موسى فقال : كان قدوم الفيل مكة وأصحابه لثلاث عشرة ليلة خلت من المحرم . وقد قال ذلك غير الخوارزمي أيضا ، وزاد يوم الأحد قال : وكان أول المحرم تلك السنة يوم الجمعة .

قال الخوارزمي وولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد ذلك بخمسين يوما ، يوم الاثنين لثمان خلت من ربيع الأول ، وذلك يوم عشرين من نيسان . قال : وبعث نبيا يوم الاثنين لثمان أيضا من ربيع الأول ، وذلك سنة إحدى وأربعين عام الفيل ، فكان من مولده صلى الله عليه وآله وسلم إلى أن بعثه الله تعالى أربعون سنة ويوم ، ومن مبعثه إلى أول المحرم من السنة التي هاجر فيها اثنتا عشرة سنة وتسعة أشهر وعشرون يوما ، وذلك ثلاث وخمسون سنة تامة من أول عام الفيل .

أخبرنا محمد بن إبراهيم ، حدثنا محمد بن معاوية ، حدثنا جعفر بن محمد الفريابي حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن حنش عن عكرمة عن ابن عباس قال : ولد نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم يوم الاثنين ، وخرج من مكة يوم الاثنين ، ودخل المدينة يوم الاثنين ، وكانت بدر يوم الاثنين صلى الله عليه وآله وسلم وشرف وكرم .

قال أبو عمر رضي الله عنه : الأكثر على أن وقعة بدر كانت يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من شهر رمضان ، وما رأيت أحدا ذكر أنها كانت يوم الاثنين [ ص: 32 ] إلا في هذا الخبر من رواية ابن لهيعة عن خالد بن أبي عمران عن حنش ، ولا حجة في مثل هذا الإسناد عند جميعهم ، إذا خالفه من هو أكثر منه .

قال الخوارزمي : وقدم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المدينة مهاجرا يوم الاثنين ، وهو اليوم الثامن من ربيع الأول سنة أربع وخمسين من عام الفيل ، وهي سنة إحدى من الهجرة ، يوم عشرين من أيلول فكان مبعثه صلى الله عليه وآله وسلم إلى يوم هاجر ودخل المدينة ثلاث عشرة سنة كاملة ، ومكث بالمدينة عشر سنين وشهرين إلى أن مات ، وذلك يوم الاثنين أول يوم من ربيع الأول سنة أربع وستين من عام الفيل ، ومن الهجرة سنة إحدى عشرة ، وهذا كله قول الخوارزمي ، وهذا الذي قال هو معنى قول ابن عباس ، إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أقام بمكة ثلاث عشرة سنة ، يعني بعد المبعث ، وبالمدينة عشر سنين ، ويشهد بصحة ذلك قول أبي قيس صرمة بن قيس الأنصاري :


ثوى في قريش بضع عشرة حجة يذكر لو يلقى صديقا مواتيا     ويعرض في أهل المواسم نفسه
فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا     فلما أتانا واستقرت به النوى
وأصبح مسرورا بطيبة راضيا     وأصبح لا يخشى ظلامة ظالم
بعيد ولا يخشى من الناس باغيا     بذلنا له الأموال من جل مالنا
وأنفسنا عند الوغى والتآسيا

[ ص: 33 ]

نعادي الذي عادى من الناس كلهم     جميعا وإن كان الحبيب المواتيا
ونعلم أن الله لا شيء غيره     وأن كتاب الله أصبح هاديا

وروينا هذه الأبيات من طرق عن سفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، وهذا أكمل الروايات فيها .

حدثنا أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي ، قال : حدثنا أبي ، قال حدثنا أحمد بن خالد ، قال حدثنا قاسم بن محمد إملاء ، قال حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي ، قال حدثنا سفيان بن عيينة ، قال سمعت عمرو بن دينار ، قال قلت لعروة بن الزبير : كم لبث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بمكة؟ قال : عشر سنين .

فقلت : إن ابن عباس يقول : لبث بمكة بضع عشرة سنة . فقال : إنما أخذه من قول الشاعر .

قال سفيان بن عيينة : وأخبرنا يحيى بن سعيد قال : سمعت عجوزا من الأنصار يقول : رأيت ابن عباس يختلف إلى صرمة بن قيس يتعلم منه هذه الأبيات :


ثوى في قريش بضع عشرة حجة     يذكر لو يلقى صديقا مواتيا

فذكر الأبيات كما ذكرتها سواء إلى آخرها .

التالي السابق


الخدمات العلمية