صفحة جزء
278 - ثمامة بن أثال الحنفي، سيد أهل اليمامة، روى حديثه أبو هريرة.

ذكر عبد الرزاق عن عبيد الله وعبد الله ابني عمر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة أن ثمامة الحنفي أسر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ما عندك يا ثمامة؟ فقال: إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تمنن تمنن على شاكر، وإن ترد [ ص: 214 ] المال تعط ما شئت. قال: فغدا عليه يوما فقال له مثل ذلك فأسلم، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل. وروى عمارة بن غزية عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة ، قال: خرج ثمامة بن أثال الحنفي معتمرا فظفرت به خيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم بنجد، فجاءوا به، فأصبح مربوطا بأسطوانة عند باب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرآه فعرفه فقال ما تقول يا ثمام؟ فقال: إن تسأل مالا تعطه، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر.

فمضى عنه، وهو يقول: اللهم إن أكلة من لحم جزور أحب إلي من دم ثمامة، ثم كرر عليه فقال: ما تقول يا ثمامة؟ قال: إن تسأل مالا تعطه، وإن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر. قال: اللهم إن أكلة من لحم جزور أحب إلي من دم ثمامة. ثم أمر به فأطلق.

فذهب ثمامة إلى المصانع ، فغسل ثيابه واغتسل، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد بشهادة الحق، وقال: يا رسول الله، إن خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة، فمر من يسيرني إلى الطريق، فأمر من يسيره، فخرج حتى قدم مكة، فلما سمع به المشركون جاءوه فقالوا: يا ثمامة، صبوت وتركت دين آبائك، قال: لا أدري ما تقولون، إلا أني أقسمت برب هذه البنية لا يصل إليكم من اليمامة شيء مما تنتفعون به حتى تتبعوا محمدا عن آخركم.

[ ص: 215 ]

قال: وكانت ميرة قريش ومنافعهم من اليمامة، ثم خرج فحبس عنهم ما كان يأتيهم منها من ميرتهم ومنافعهم، فلما أضر بهم كتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن عهدنا بك وأنت تأمر بصلة الرحم، وتحض عليها، وإن ثمامة قد قطع عنا ميرتنا وأضر بنا، فإن رأيت أن تكتب إليه أن يخلي بيننا وبين ميرتنا فافعل. فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن خل بين قومي وبين ميرتهم. وكان ثمامة حين أسلم قال: يا رسول الله، والله لقد قدمت عليك وما على وجه الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، ولا دين أبغض إلي من دينك، ولا بلد أبغض إلي من بلدك، وما أصبح على وجه الأرض وجه أحب إلي من وجهك، ولا دين أحب إلي من دينك، ولا بلد أحب إلي من بلدك.


وقال محمد بن إسحاق: ارتد أهل اليمامة عن الإسلام غير ثمامة بن أثال ومن اتبعه من قومه، فكان مقيما باليمامة ينهاهم عن اتباع مسيلمة وتصديقه، ويقول: إياكم وأمرا مظلما لا نور فيه، وإنه لشقاء كتبه الله عز وجل على من أخذ به منكم، وبلاء على من لم يأخذ به منكم يا بني حنيفة .

فلما عصوه ورأى أنهم قد أصفقوا على اتباع مسيلمة عزم على مفارقتهم، ومر العلاء بن الحضرمي ومن تبعه على جانب اليمامة، فلما بلغه ذلك قال لأصحابه من المسلمين: إني والله ما أرى أن أقيم مع هؤلاء مع ما قد أحدثوا، وإن الله تعالى لضاربهم ببلية لا يقومون بها ولا يقعدون، [ ص: 216 ] وما نرى أن نتخلف عن هؤلاء وهم مسلمون، وقد عرفنا الذي يريدون، وقد مروا قريبا، ولا أرى إلا الخروج إليهم، فمن أراد الخروج منكم فليخرج. [فخرج] ممدا للعلاء بن الحضرمي، ومعه أصحابه من المسلمين، فكان ذلك قد فت في أعضاد عدوهم حين بلغهم مدد بني حنيفة .

وقال ثمامة بن أثال في ذلك:


دعانا إلى ترك الديانة والهدى مسيلمة الكذاب إذ جاء يسجع     فيا عجبا من معشر قد تتايعوا
له في سبيل الغي والغي أشنع



في أبيات كثيرة ذكرها ابن إسحاق في الردة وفي آخرها:


وفي البعد عن دار وقد ضل أهلها     هدى واجتماع كل ذلك مهيع



وروى ابن عيينة عن ابن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة نحو حديث عمارة بن غزية، ولم يذكر الشعر، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فرات بن حيان إلى ثمامة بن أثال في قتال مسيلمة وقتله .

التالي السابق


الخدمات العلمية