صفحة جزء
3317 - خنساء بنت عمرو بن الشريد الشاعرة السلمية .

وهو الشريد بن رباح ابن ثعلبة بن عصية بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم . قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومها من بني سليم فأسلمت معهم ، فذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يستنشدها فيعجبه شعرها ، وكانت تنشده ، وهو يقول : هيه يا خناس ، أو يومئ بيده . قالوا : وكانت الخنساء في أول أمرها تقول البيتين والثلاثة ، حتى قتل أخوها لأبيها وأمها معاوية بن عمرو ، قتله هاشم وزيد المريان ، وصخر أخوها لأبيها ، وكان أحبهما إليها ، لأنه كان حليما جوادا محبوبا في العشيرة ، وكان غزا بني أسد فطعنه أبو ثور الأسدي ، فمرض منها قريبا من حول ثم مات ، فلما قتل أخواها أكثرت من الشعر ، وأجادت ، فمن قولها في صخر أخيها :


أعيني جودا ولا تجمدا ألا تبكيان لصخر الندى     ألا تبكيان الجريء الجميل
ألا تبكيان الفتى السيدا     طويل العماد عظيم الرماد
ساد عشيرته أمردا

ومن قولها أيضا في صخر أخيها :


أشم أبلج يأتم الهداة به     كأنه علم في رأسه نار

وأجمع أهل العلم بالشعر أنه لم يكن امرأة قط قبلها ولا بعدها أشعر منها ، وقالوا : اسم الخنساء تماضر .

ذكر الزبير بن بكار ، عن محمد بن الحسن المخزومي ، عن عبد الرحمن [ ص: 1828 ] ابن عبد الله ، عن أبيه ، عن أبي وجزة ، عن أبيه ، قال : حضرت الخنساء بنت عمرو بن الشريد السلمية حرب القادسية ومعها بنوها أربعة رجال ، فقالت لهم من أول الليل : يا بني ، إنكم أسلمتم طائعين ، وهاجرتم مختارين ، ووالله الذي لا إله إلا هو إنكم لبنو رجل واحد ، كما أنكم بنو امرأة واحدة ما خنت أباكم ، ولا فضحت خالكم ، ولا هجنت حسبكم ، ولا غبرت نسبكم ، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين .

واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية ، يقول الله تعالى :
يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون . فإذا أصبحتم غدا إن شاء الله سالمين فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين ، وبالله على أعدائه مستنصرين ، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها ، واضطرمت لظى على سياقها ، وجللت نارا على أوراقها ، فتيمموا وطيسها ، وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة . فخرج بنوها قابلين لنصحها ، عازمين على قولها فلما أضاء لهم الصبح باكروا مراكزهم وأنشأ أولهم يقول :


يا إخوتي إن العجوز الناصحة     قد نصحتنا إذ دعتنا البارحه
مقالة ذات بيان واضحة      [فباكروا الحرب الضروس الكالحه ]
وإنما تلقون عند الصائحة     من آل ساسان الكلاب النابحه
قد أيقنوا منكم بوقع الجائحة     وأنتم بين حياة صالحه

أو ميتة تورث غنما رابحه [ ص: 1829 ] وتقدم فقاتل حتى قتل (رحمه الله) . ثم حمل الثاني ، وهو يقول :


إن العجوز ذات حزم وجلد      [والنظر الأوفق والرأي السدد ]
وقد أمرتنا بالسداد والرشد     نصيحة منها وبرا بالولد
فباكروا الحرب حماة في العدد      [إما لفوز بارد على الكبد
أو ميتة تورثكم عز الأبد     في جنة الفردوس والعيش الرغد ]

فقاتل حتى استشهد (رحمه الله) ، ثم حمل الثالث ، وهو يقول :


والله لا نعصي العجوز حرفا      [قد أمرتنا حدبا وعطفا ]
نصحا وبرا صادقا ولطفا     فبادروا الحرب الضروس زحفا
حتى تلفوا آل كسرى لفا      [أو تكشفوهم عن حماكم كشفا
إنا نرى التقصير منكم ضعفا     والقتل فيكم نجدة وزلفى ]

فقاتل حتى استشهد رحمه الله . ثم حمل الرابع وهو يقول :


لست لخنساء ولا للأخرم     ولا لعمر وذي السناء الأقدم
إن لم أرد في الجيش جيش الأعجم     ماض على الهول خضم خضرم
[إما لفوز عاجل ومغنم     أو لوفاة في السبيل الأكرم ]

فقاتل حتى قتل رضي الله عنه وعن إخوته .

فبلغها الخبر فقالت : الحمد لله الذي شرفني بقتلهم ، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته .وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعطي الخنساء أرزاق أولادها الأربعة لكل واحد مائتي درهم حتى قبض رضي الله عنه [ ص: 1830 ] .

التالي السابق


الخدمات العلمية