صفحة جزء
الحجاج وابن الحنفية وشكوى الثاني لعبد الملك

حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال: حدثنا أبو محمد عبد الله بن عمرو بن بشر الوراق قال: حدثني أبو زكريا يحيى بن خليفة الدارمي قال: حدثني محمد بن هشام السعدي التميمي قال: خرج الحجاج بن يوسف وابن الحنفية من عند عبد الملك بن مروان، فلما صارا في الطريق قال الحجاج لمحمد بن الحنفية: لقد بلغني أن أباك كان إذا فرغ من القنوت يقول كلاما حسنا أحببت أن أعرفه، فتحفظه؟ قال: لا، قال: سبحان الله، ما أوحش لقاءكم، وأفظع لفظكم، وأشد خنزوانتكم، ما تعدون الناس إلا عبيدا، ولقد خضتم الفتنة خوضا وقتلتم المهاجرين والأنصار. فنظر إليه ابن الحنفية وأنكر لفظه وأحفظه، فوقف وسار الحجاج . ورجع ابن الحنفية إلى باب عبد الملك فقال للآذن: استأذن لي، فقال: ألم تكن عنده قبل وخرجت آنفا، فما ردك وقد ارتفع أمير المؤمنين؟ قال: لست أبرح حتى ألقاه. فكره الآذن غضب الخليفة فدخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين، هذا محمد بن الحنفية مستأذن عليك، فقال: ألم يكن عندي قبل، لقد رده أمر، إيذن له. فلما دخل عليه تحلحل عن مجلسه كما كان يفعل فقال: يا أمير المؤمنين هذا الحجاج أسمعني كلاما تكمشت له، وذكر أبي بكلام تقمعت له، وما أحرت حرفا، قال: فما قال لك حتى أعمل على حبسه؟ قال: وكأنما تفقأ في وجهه الرمان ونخسه شوك، فخبره عما سأله عنه، فقال لصاحب شرطته: علي بالحجاج الساعة. فأتاه في منزله حين خلع ثيابه فحمله حملا عنيفا، وانصرف ابن الحنفية. فجاء الحجاج فوقفه بالباب طويلا ثم قال: إيذن له، فدخل فسلم عليه، فقال له عبد الملك:


لا أنعم الله بعمرو عينا تحية السخط إذا التقينا



يا لكع وهراوة البقار، ما أنت ومحمد بن الحنفية؟! قال: يا أمير المؤمنين، ما كان إلا خيرا، قال: كذبت والله لهو أصدق منك وأبر، ذكرته وذكرت أباه، فوالله ما بين لابتيها أفضل من أبيه؛ وما جرى بينك وبينه؟ قال: سألته يا أمير المؤمنين عن شيء بلغني كان أبوه يقوله بعد القنوت، قال: لا أعرفه، فعلمت أن ذاك مقت منه لنا ولدولتنا، فأجبته بالذي بلغك. فقال له عبد الملك: أسأت ولؤمت، والله لولا أبوه وابن عمه لكنا حيارى [ ص: 729 ] ضلالا، وما أنبت الشعر على رؤوسنا إلا الله عز وجل وهم، وما أعزنا بما ترى إلا رحمهم وريحهم الطيبة، والله لا كلمتك كلمة أبدا، أو تجيئني بالرضا منه، وتسل سخيمته. قال: فمضى الحجاج من فوره، فألفاه وهو يتغدى مع أصحابه، قال: فاستأذن فأبى أن يأذن له، فقال له بعض أصحابه: أتى برسالة أمير المؤمنين، فأذن له، فقال: إن أمير المؤمنين أرسلني أن أسل سخيمتك، وأقسم أن لا يكلمني أبدا حتى آتيه بالرضى منك، وأنا أحب، برحمك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا عفوت عما كان، وغفرت ذنبا إن كان. فقال: قد فعلت على شريطة فتفعلها، قال: نعم، قال: على صرم الدهر. قال: ثم انصرف الحجاج فدخل على عبد الملك فقال: ما صنعت؟ قال: جئت برضاه وسللت سخيمته وأجاب إلى ما أحب وهو أهل ذلك. قال: فأي شيء آخر ما كان بينك وبينه؟ قال: رضي على شريطة، على صرم الدهر، فقال: شنشنة أعرفها من أخزم، انصرف. فلما كان من الغد دخل ابن الحنفية على عبد الملك فقال له: أتاك؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فرضيت وأجبته؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: ثم مال إليه فقال: هل تحفظ ما سألك عنه؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين وما منعني أن أبثه إياه إلا مقتي له فإنه من بقية ثمود. فضحك عبد الملك ثم قال: يا سليمان - لغليم له - كاتبا ودواة وقرطاسا، قال: فكتب بخطه: بسم الله الرحمن الرحيم، كان أمير المؤمنين علي عليه السلام إذا فرغ من وتره رفع يده إلى السماء وقال: اللهم حاجتي العظمى التي إن قضيتها لم يضرني ما منعتني، وإن منعتني لم ينفعني ما أعطيتني. فكاك الرقاب، فك رقبتي من النار، رب ما أنا إن تقصد قصدي بغضب منك يدوم علي، فوعزتك ما يحسن ملكك إحساني، ولا تقبحه إساءتي، ولا ينقص من خزائنك غناي، ولا يزيد فيها فقري. يا من هو هكذا اسمع دعائي وأجب ندائي، وأقلني عثرتي، وارحم غربتي ووحشتي ووحدتي في قبري، ها أنا ذا يا رب برمتي. ويأخذ بتلابيبه ثم يركع. فقال عبد الملك: حسن والله رضي الله عنه.

التالي السابق


الخدمات العلمية