وفود كثيرة عزة على عبد الملك وحديثه معه
حدثنا
الحسين بن علي بن المرزبان النحوي، قال: حدثنا
عبد الله بن هارون النحوي، قال: أخبرنا
أبو بكر محمد بن أبي يعقوب الدينوري، قال: أخبرني
نصر بن منصور، عن
nindex.php?page=showalam&ids=14756العتبي، قال: كان
nindex.php?page=showalam&ids=16491عبد الملك بن مروان يحب النظر إلى
كثير ، إذ دخل عليه آذنه يوما، فقال: يا أمير المؤمنين! هذا
كثير بالباب، فاستبشر
عبد الملك، وقال: أدخله يا غلام،
[ ص: 195 ] فدخل
كثير وكان دميما حقيرا تزدريه العين فسلم بالخلافة، فقال
عبد الملك: تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فقال
كثير: مهلا يا أمير المؤمنين، فإنما الرجل بأصغريه - قال
القاضي: العرب تقول: تسمع بالمعيدي لا أن تراه، وأن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، وهو مثل سائر - بلسانه وقلبه، فإن نطق نطق ببيان، وإن قاتل قاتل بحنان، وأنا الذي أقول يا أمير المؤمنين:
وجربت الأمور وجربتني فقد أبدت عريكتي الأمور وما يخف الرجال علي إني
بهم لأخو مثاقبة خبير ترى الرجل النحيف فتزدريه
وفي أثوابه أسد يزير ويعجبك الطرير فتبتليه
فيخلف ظنك الرجل الطرير وما عظم الرجال لهم بزين
ولكن زينها كرم وخير بغاث الطير أطولها جسوما
ولم تطل البزاة ولا الصقور
وروي
بغاث الطير أكثرها فراخا وأم الصقر مقلات نزور
وفي بغاث الطير لغتان: بغاث وبغاث بالفتح والكسر، فأما الضم فخطأ عند أهل العلم باللغة، فقد أجاز بعضهم الضم، والمقلات التي لا يعيش لها ولد، والقلت بفتح اللام: الهلاك، ومن ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"المسافر وما معه على قلت إلا ما وقى الله عز وجل" ومنه قول الشاعر
فلم أر كالتجمير منظر ناظر ولا كليالي الحج أقلتن ذا هوى
ويروى: أفلتن بالفاء، فأما القلت بسكون اللام: فالنقرة في الجبل أو الحجر يجتمع فيها الماء، تجمع قلات، قال الشاعر:
كأن عينيه من الغؤور قلتان في جوف صفا منقور
ثم رجعنا إلى شعر كثير:
لقد عظم البعير بغير لب فلم يستغن بالعظم البعير
فيركب ثم يضرب بالهراوى فلا عرف لديه ولا نكير
قال
القاضي فيروى:
يجرره الصبي بكل سهب ويحبسه على الخسف الجرير
قال
القاضي: الجرير: الحبل، وبه سمي الرجل: قال الشاعر:
يرى في كف صاحبه خلاء فيفزعه ويجبنه الجرير
[ ص: 196 ] رجعنا إلى شعر
كثير: وعود النبع ينبت مستمرا وليس يطول والقصباء خور
قال
القاضي: النبع من كريم الشجر وتتخذ منه القسي، قال الشاعر:
ألم تر أن النبع يصلب عوده ولا يستوي والخروع المتقصف
وقال
الأعشى: ونحن أناس عودنا عود نبعة إذا افتخر الحيان بكر وتغلب
قال: فاعتذر إليه
عبد الملك ورفع مجلسه، ثم قال: يا
كثير! أنشدني في إخوان دهرك هذا، فأنشده:
خير إخوانك المشارك في المر ر وأين الشريك في المر أينا
الذي إن حضرت سرك في الحـ ي وإن غبت كان أذنا وعينا
ذاك مثل الحسام أخلصه القـ ين وجلاه الجلاء فازداد رينا
قال
القاضي: ويروى: جلاه التلام يريد التلامذة والتلاميذ وهم الصياقلة ها هنا، ويقال التلام المدوس وهو حجر يجلى به، رجع الشاعر:
أنت في معشر إذا غبت عنهم بدلوا كل ما يزينك شينا
فإذا ما رأوك قالوا جميعا أنت من أكرم الرجال علينا
فقال له
عبد الملك: يغفر الله لك يا
كثير، فأين الإخوان؟ قال: غير أني أنا الذي أقول:
صديقك حين تستغني كثير ومالك عند فقرك من صديق
فلا تنكر على أحد إذا ما طوى عنك الزيارة عند ضيق
وكنت إذا الصديق أراد غيظي على حنق وأشرقني بريقي غفرت ذنوبه وصفحت عنه مخافة أن أكون بلا صديق