صفحة جزء
توجيه إعراب بيت جرير

ونحن الآن منجزو ما وعدنا في البيان عن اختلاف النحويين في قول جرير:


تبكي عليك نجوم الليل والقمرا



وفي إعراب "نجوم الليل"، وفي وجه نصب قوله: والقمرا، فأما من روى:


الشمس طالعة ليست بكاسفة



فإنه ينصب: نجوم الليل بإعمال كاسفة، كما يقال: هي ضاربة عبد الله، ويعطف القمر على نجوم الليل، وقوله: تبكي صفة لقوله الشمس طالعة، وتبكي في موضع رفع، كأنه قال: طالعة باكية، وقد يكون تبكي في موضع نصب على أنه بمعنى الحال، إما من [ ص: 251 ] الشمس أو من التاء في ليست، كأنه قال: ليست في حالة بكاء، وقد تكون سادة مسد خبر ليس، ونصب نجوم الليل بكاسفة.

وأشهر الجوابات في هذا وأعرفها، وأقربها مأخذا أن جملة معنى هذا القول: أن الشمس لم تقو على كسف النجوم والقمر لإظلامها وكسوفها، وقد قال قائلون: نصب "نجوم الليل" بقوله: تبكي، والمعنى: تبكي عليك مدة نجوم الليل والقمر، فنصب على الظرف.

وحكى عن العرب: لا أكلمك سعد العشيرة أي: زمانه، وقال آخرون: المعنى: تغلب ببكائها عليك بكاء نجوم الليل، وفي هذا التأويل وجهان، أحدهما أن يكون أريد بالنجوم والقمر السادات الأماثل، كما قال النابغة في مدح النعمان بن المنذر:


ألم تر أن الله أعطاك سورة     ترى كل ملك دونها يتذبذب
فإنك شمس والملوك كواكب     إذا طلعت لم يبد منهن كوكب



وقد تأول المفضل الضبي قول الفرزدق:


أخذنا بآفاق السماء عليكم     لنا قمراها والنجوم الطوالع



أنه عنى بالقمر: محمدا وإبراهيم صلى الله عليهما، وبالنجوم الطوالع: أئمة الدين وخلفاء المسلمين، وإن كان غيره قد تأول ذلك أنه الشمس والقمر والكواكب، ومثل هذا أيضا:


وما لتغلب إن عدوا مساعيهم     نجم يضيء ولا شمس ولا قمر



وهذا التأويل في تبكي أي: تغلب ببكائها من الباب الذي يقال فيه: خاصمني فخصمته وغالبني فغلبته، كما قال الأخطل:


إن الفرزدق صخرة ملمومة     طالت فليس نيالها الأوعالا



يريد: طالت الأوعال فليست تنالها أنت، ذهب إلى هذا أبو بكر بن الأنباري، وما علمت أحدا سبقه إليه، وجائز أن يكون المعنى: أن الأوعال ليست تنال الصخرة وقد طالتها، وتكون من باب الفاعلين والمفعولين اللذين يفعل كل واحد منهما لصاحبه مثل ما فعل به، مثل: ضربت وضربني زيد وزيدا، ولهذا موضع ييسر فيه.

وأما من روى: نجوم الليل والقمرا، فإنه من باب المفعول معه، كقولهم: استوى الماء والخشبة، وما صنعت وأباك، ومنه قول الشاعر:


فكونوا أنتم وبني أبيكم     مكان الكليتين من الطحال



ويروى: الشمس كاسفة ليست بطالعة، فإنه استعظم أن تطلع ولا تكسف مع المصاب.

ومثل: ألم تكسف الشمس في البيت الذي قدمنا ذكره، مثل هذا قول الشاعر:


أيا شجر الخابور ما لك مورقا     كأنك لم تجزع على ابن طريف
[ ص: 252 ] فتى لا يحب الزاد إلا من التقى     ولا المال إلا من قناة سيوف



التالي السابق


الخدمات العلمية