قد قاربتك جهدي
حدثنا
عبد الله بن جعفر بن درستويه النحوي ، قال : حدثنا
أبو العباس محمد بن يزيد ، عن
المازني ، قال : اجتمعت مع
يعقوب بن السكيت ، عند
محمد بن عبد الملك الزيات ، فقال لي
محمد بن عبد الملك : سل
nindex.php?page=showalam&ids=14954أبا يوسف عن مسألة ، فكرهت ذلك وجعلت أتبطأ وأدافع ، مخافة أن أوحشه لأنه كان لي صديقا ، فألح علي
محمد بن عبد الملك ، فقال لي : لم
[ ص: 409 ] لا تسأله ؟ فاجتهدت في اختيار مسألة سهلة لأقارب
يعقوب ، فقلت له :
ما وزن " نكتل " من الفعل من قول الله تعالى : فأرسل معنا أخانا نكتل فقال لي : نفعل ، فقلت : ينبغي أن يكون ماضيه كتل ، فقال : ليس هذا وزنه إنما هو نفتعل ، فقلت له : نفتعل كم هو حرف ؟ قال : خمسة أحرف ، فقلت له : فنكتل كم حرف هو ؟ قال : أربعة أحرف ، فقلت : له أيكون أربعة أحرف بوزن خمسة أحرف ، فانقطع وخجل وسكت ، فقال محمد بن عبد الملك : فإنما تأخذ كل شهر ألفي درهم على أنك لا تحسن ما وزن نكتل ؟ فلما خرجنا ، قال لي يعقوب : يا أبا عثمان ! هل تدري ما صنعت ؟ فقلت له : والله لقد قاربتك جهدي ، وما لي في هذا ذنب
قال القاضي
أبو الفرج : نكتل في هذا الموضع هو في أوليته وابتدائيته في ماضيه ومستقبله : كال يكيل على فعل يفعل ، مثل مال يميل وقياسه في أصل تقديره كيل يكيل ، نظيره من الصحيح ضرب يضرب ، إلا أن الياء في كيل انقلبت ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، والألف لا تكون إلا ساكنة إلا أنها في نية حركة ونقلت كسرة الياء في المضارع ونقلت كسرتها إلى الكاف وكانت ساكنة ، فكسرت إذ لم يستقم التقاء الساكنين فصار نكتل ، وقيل في الجمع : كلنا نكتل ، ثم لما زيدت التاء دلالة على الافتعال قيل : اكتال نكتال وأصله اكتيل يكتيل ، نحو افتعل يفتعل نظيره من الصحيح : اكتتب يكتتب واكترث يكترث واستبق يستبق ثم قلبت الياء من اكتيل ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، فصار اكتال ومضارعه يكتال ، وأصله يكتيل ، وفي الجمع نكتيل وزنه نفتعل ، فلما قيل نكتل فأعرب بالجزم إذ هو جواب الأمر اقتضى الجزم سكون اللام ، فالتقى ساكنان اللام والألف المنقلبة من الياء فأسقطت الألف لذلك فبقي نكتل ، ووزنه في الأصل نفتعل ثم لما حذفت الألف المنقلبة من الياء وهي عين الفعل صار نكتل فوزنه نفتل ، على طريقة التحرير وتمييز الزوائد من الأصول بالعبارة عن الأصليات بالفاء والعين واللام وتسمية الزوائد بأنفسها ، ألا ترى أنا نقول في وزن جهور أنه فعول فيعبر عن الجيم والهاء والراء الأصليات بالفاء والعين واللام ، وتأتي باسمها الواو فهي الزيادة إذ ليست من الفعل فاء ولا عينا ولا لاما ، ويعقوب لما رأى نكتل موافقا لوزن نفعل تسرع إلى ما أجاب به مع ذعر المحنة وإزعاج البديهة وهيبة الحاث لسائله على شراسة خلقه وإشفاقه من تشعث منزلته عنده ، وقطع مادة المعيشة من جهته .
ووزن ألفاظ الكلم تأتي على جهات مختلفة بحسب أغراض الوازنين ، وعلى قدر ترتيب الصناعة من المقابلين ، والنحويون يزنون الحروف على أخصر من وزن العروضيين ، لأنهم يقابلون في الزنة الحركة بجنسها من التحريك الذي هو خلاف السكون ونوعها إن ضما وإن فتحا وإن كسرا ، على اختصاص كل واحد من هذه الأنحاء دون صاحبه ، والعناية بذات الحرف دون الإعراب والتنوين وما يزاد ويحذف خطا ولفظا ، والعروضيون
[ ص: 410 ] يراعون ذلك كله ويسوقونه ويبنون وزنهم على اللفظ ، ويجرون وزنهم على مقابلة الحركة جنسا لا نوعا ، فيسوون فيها بين الضم والفتح والكسر ، ولما تساوى نكتال واكتال في عدد الحروف وسبيل حرف المضارعة أن تجري به الزيادة على حروف الماضي ، فلأن همزة اكتال زائدة للوصل تذهب إذا تحركت فاء الفعل وليست بلازمة للكلمة ، وقد اختلف فيما زاد من الأسماء من الثلاثي الذي هو فاء وعين ولام فأتى رباعيا أو خماسيا من غير أن يكون فيه شيء من حروف الزيادة كقولك جعفر وفرزدق ، فحكم بعضهم على هذا بأن الحرف والحرفين منه مما أتى بعد الفاء والعين واللام مجهول ، وقضى بأن الطرف أولى منه بباب الزيادة ، وذهب آخرون إلى مثل هذا في العين ، وميزوا بين تجانس الحرفين في آخره ، وذلك كفعلل الذي هو وزن قردد ، وبين ما اختلفا فيه نحو جعفر ، وهذا باب لا يحتمل كتابنا هذا الاتساع فيه ، وله موضع هو أولى به .
ومما اتفق في هذه القصة مع ما ذكرنا من الأحوال العارضة أن
يعقوب كان في صناعة النحو ذا بضاعة مزجاة نزرة ، وقد صنف مع هذا في النحو كتابا مختصرا لم يعد فيه القدر الذي تناله يده ، وإن كان إماما علما في اللغة ، وقدوة سابقا مبرزا في اختلاف أهلها من البصريين والكوفيين ، وله فيها كتب مؤلفة حسنة ، وأنواع مصنفة مفيدة ،
وأبو عثمان المازني وإن كان قد قصد الجميل من مقاربته وتسهيل مناظرته فإنما أتى بما هو متيسر له دونه ، وقد كان الأولى بما قصده تنكب ما فيه اعتلال وقلب ، والعدول به عن التصريف الكاد للقلب الشاق على اللب ، وقد رد
المازني على
nindex.php?page=showalam&ids=16076سيبويه مسائل في بعضها حجج وفي بعضها شبه ، وسأل
nindex.php?page=showalam&ids=13673الأخفش عن مسائل نسبه إلى التقصير والانقطاع في بعضها ، وحكي أن
nindex.php?page=showalam&ids=13673الأخفش رجع عند أول توقيف منه عليها في البعض منها ، وقد ذكرنا من هذا طرفا في موضعه .