صفحة جزء
عود إلى خبر الشعبي مع الحجاج

وحدثني أبي رضي الله عنه، قال: حدثنا أبو عبد الله الصوفي، قال: حدثنا سليمان بن عمر الأقطع الرقي، قال: حدثنا عيسى بن يونس، قال: حدثنا عباد بن موسى رجل من أهل واسط عن أبي بكر الهذلي، عن الشعبي، قال: أتي بي الحجاج موثقا فلما انتهينا إلى باب القصر لقيني يزيد بن أبي مسلم، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون يا شعبي لما بين دفتيك من العلم، وذكر الحديث.

وروي لنا خبر الحجاج مع الشعبي على نحو ما أتينا به في هذا الجزء من غير طريق، وبعض رواياته يختلف ألفاظها ويزيد بعضها على بعض، وأنا أذكر ها هنا طريقا حضرني وقرب مني.

حدثنا محمد بن جعفر بن سليمان النهرواني، وحمزة بن الحسين بن عمر أبو عيسى السمسار، قالا: حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، قال: حدثنا يوسف بن بهلول التميمي، قال: حدثنا جابر بن نوح الحماني، قال: حدثني مجالد، عن الشعبي، قال: لما قدم الحجاج الكوفة قال لابن أبي مسلم: اعرض علي العرفاء، فعرضهم عليه فرأى فيهم وحشا من وحش الناس، قال: ويحك: هؤلاء خلفاء الغزاة في عيالهم؟ قال: نعم، قال: اطرحهم واغد علي بالقبائل، فغدا عليه بالقبائل على راياتها، فجعلوا يعرضون عليه فإذا وقعت عينه على رجل دعاه، فدعا بالشعبيين فمرت به السن الأولى فلم يدع منهم أحدا، ومرت به السن الثانية فدعاني، فقال: من أنت؟ فأخبرته؟ فقال: اجلس، فجلست، فقال: قرأت؟ قلت: نعم، قال: رويت الشعر؟ قلت: قد نظرت في معانيه، قال: نظرت في الحساب؟ قلت: نعم، فقال: لابن أبي مسلم: إنا لنحتاج إليه في بعض الدواوين، قال: رويت مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: نعم قال: حدثني بحديث بدر، قال: فابتدأت له من رؤيا عاتكة حتى أذن المؤذن للظهر، ثم دخل وقال: لا تبرح، فخرج فصلى الظهر وأتممتها له، فجعلني عريفا على الشعبيين ومنكبا على جميع همدان وفرض لي في الشرف، فلم أزل عنده بأحسن منزلة حتى كان عبد الرحمن بن الأشعث، فأتاني قراء أهل الكوفة فقالوا: يا أبا عمرو! إنك زعيم القراء، فلم يزالوا لي حتى خرجت معهم فقمت بين الصفين أذكر الحجاج وأعيبه بأشياء قد علمتها، قال: فبلغني أنه قال: ألا تعجبون من هذا الشعبي الذي جاءني وليس في الشرف من قومه، فألحقته بالشرف، وجعلته عريفا على الشعبيين ومنكبا على همدان، ثم [ ص: 55 ] خرج مع عبد الرحمن يحرض علي، أما إنه لئن أمكن الله منه لأجعلن الدنيا أضيق عليه من مسك جمل، قال: فما لبثنا أن هزمنا فجئت إلى بيتي فدخلته وأغلقت علي بابي، فمكثت تسعى أشهر الدنيا علي أضيق من مسك جمل، فندب الناس لخراسان، فقام قتيبة بن مسلم، فقال: أنا لها، فعقد له خراسان وعلى ما غلب عليه منها وأمن له كل خائف، فنادى مناديه: إنه من لحق بعسكر قتيبة فهو آمن، فجاءني شيء لم يجيئني شيء هو أسر منه، فبعث بمولى لي إلى الكناسة، فاشترى لي حمارا وزودني، ثم خرجت فكنت في العسكر، فلم أزل معه حتى أتينا فرغانة، فجلس ذات يوم وقد برق، فنظرت إليه فعرفت ما يريد، فقلت: أيها الأمير! عندي علم ما تريد؟ قال: ومن أنت؟ قال: قلت: أعيذك ألا تسل عن ذاك، قال: أجل، فعرف أني ممن يخفي نفسه، فدعا بكتاب فقال: اكتب نسخة، قلت: لست محتاجا إلى ذلك، فجعلت أملي عليه وهو ينظر إلي حتى فرغت من كتاب الفتح، قال: فحملني على بغلة وأرسل إلي بسرق من حرير، وكنت عنده في أحسن منزلة، فإني ليلة أتعشى معه إذ أنا برسول من الحجاج بكتاب فيه: إذ نظرت في كتابي هذا فإن صاحب كتابك عامر الشعبي، فإن فاتك قطعت يديك على رجلك وعزلتك، قال: فالتفت إلي فقال: ما عرفتك قبل الساعة فامض حيث شئت من الأرض، فوالله لأحلفن له بكل يمين، قال: قلت: أيها الأمير إن مثلي لا يخفى، قال: فقال: أنت أعلم، قال: فبعثني إليه مع قوم وأوصاهم بي، وقال: إذا نظرتم إلى خضراء واسط فاجعلوا في رجليه قيدا ثم ادخلوا به على الحجاج، قال: فلما دنوت من واسط استقبلني ابن أبي مسلم فقال: يا أبا عمرو! إني لأضن بك على القتل، إذا دخلت على الحجاج فلما رآني قال: لا مرحبا بك ولا أهلا يا شعبي الخبيث، جئتني ولست في الشرف من قومك ولا عريفا ولا منكبا، فألحقتك بالشرف وجعلتك عريفا على الشعبيين ومنكبا على جميع همدان، ثم خرجت مع عبد الرحمن تحرض علي؟ قال: وأنا ساكت لا أجيبه، قال: فقال لي: تكلم، قال: قلت: أصلح الله الأمير، كل ما ذكرت من فضلك فهو على ما ذكرت، وكل ما ذكرت من خروجي مع عبد الرحمن فهو كما ذكرت، ولكنا قد اكتحلنا بعدك بالسهر وتحلسنا الخوف، ولم نكن مع ذلك بررة أتقياء ولا فجرة أقوياء، وإن حقنت لي دمي واستقبلت بي التوبة؟ قال: قد حقنت دمك واستقبلت بك التوبة، قال: فقال ابن أبي مسلم: الشعبي كان أعلم مني حيث لم يقبل مني الذي قلت له.

حدثنا محمد بن جعفر، وحمزة بن الحسين، قالا: حدثنا أحمد بن منصور قال: سمعت الأصمعي، يقول: حدثني عثمان الشحام، قال: لما أتي الحجاج بالشعبي عاتبه، فقال له الشعبي: أصلح الله الأمير، أجدب بنا الجناب، وأحزن بنا المنزل، واستحلسنا الخوف، واكتحلنا السهر، وأصابتنا خزية لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء، قال: لله درك [ ص: 56 ] يا شعبي.

قال القاضي: والذي ذكر في هذا الخبر على ما في الرواية التي بدأنا بها ذكر الفريضة التي سأل الحجاج الشعبي عنها فأجابهن وذكر أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا فيها على خمسة أقوال فهذا على ما ذكره، وهذه فريضة من فرائض الجد معروفة يسميها الفرضيون الخرقاء، وأصول الصحابة فيها مختلفة، فمنهم من ينزل الجد بمنزلة الأب الأدنى فلا يورث الإخوة والأخوات معه، ومنهم من يعطي الأخوات من الأب والأم أو الأب فرائضهن ويورث الجد بعد ما يستحقه، وهذا مذهب علي وعبد الله، إلا أن عبد الله لا يفضل أما على جد، وقد روي عنه أن هذه المسألة من مربعاته، ومنهم من ينزل الجد مع الأخوات من الأب والأم أو من الأب بمنزلة الأخ في المقاسمة، وبينهم في القدر الذي تنتهي إليه المقاسمة ويفرض للجد فريضة، خلاف ليس هذه موضعه، وروي منع الإخوة والأخوات الميراث مع الجد عن أبي بكر وعائشة وابن عباس وابن الزبير فيعدد كثير من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار والمسلمين، والى هذا نذهب، وبيانه مشروح فيما ألفناه من كتبنا في فرائض المواريث.

التالي السابق


الخدمات العلمية