صفحة جزء
عمرو بن معدي كرب الأكول

الشجاج يغلبه ربيعة بن مكدم

حدثنا محمد بن مزيد الخزاعي قال حدثنا الزبير بن بكار ، قال حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي عن عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال : دخل عمرو بن معد يكرب الزبيدي على عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعنده الربيع بن زياد وشريك بن الأعور الحارثيان فسلم عليه وقال : يا أمير المؤمنين دخلت على خالك أبي سليمان يعني خالد بن الوليد فأتى بثور وقوس وكعب فأطعمنيه ، فقال عمر : إن في ذلك لشبعة ، قال : يا أمير المؤمنين لك أو لي؟ قال : بل لي ولك ، قال كلا يا أمير المؤمنين ، فلقد رأيتني آكل الأزهر : التبن هو القدح العظيم ، والثور : الأقط ، والكعب القطعة من التمر رثيئة وصريفا .

قال القاضي : وليس في كتابي عن ابن أبي الأزهر ، تفسير القوس ، وهو القطعة من السمن ، وقيل إن هذه الأسماء الثلاثة هي البقية الفضلة من الأنواع التي وصفنا .

قال : فنظر عمر إلى الربيع بن زياد كالمتعجب من قوله ، فقال له الربيع : يا أمير المؤمنين إنه لكذلك ، وإن الخيل لتتقي ذراه إذا كان بين الصفين وانتعلت الخيل الدماء؛ على أنه قد نقض الإل قال ابن أبي الأزهر : الإل هو العهد وقطع أواصرنا قال ابن أبي الأزهر : الأواصر الأصول قال عمرو : يا أمير المؤمنين جاورت هذا الحي من بني [ ص: 482 ] الحارث بن كعب عشرين سنة فمشوا إلى الضراء ودبوا إلى الخمر .

قال القاضي : الضراء : ما واراك من شجرة ، والخمر : ما واراك من شيء ، قال زهير


فمهلا آل عبد الله عدوا مخازي لا يدب لها الضراء

وقال آخر :


ألا يا زيد والضحاك سيرا     فقد جاوزتما خمر الطريق

فلما بدت لي ضباب صدورهم وحسك قلوبهم أوجرتهم أمر من نقيع الحنظل . فقال شريك بن الأعور : يا أمير المؤمنين إن هذا ما أعجزنا لما أخذته أنيابنا وكلمته أظفارنا ، فقال عمرو : إليك يا ابن الأعور فإني لا أغمز غمز التين ولا يقعقع لي بالشنان؛ فلما خشي عمر أن يتفاقم الأمر بينهم ويخرجوا إلى ما هو أعظم من هذا قال : إيها عنكم الآن ، وأقبل على عمرو فقال : يا أبا ثور لقد حدثت عن نفسك بمأكل ومشرب ، ولقد لقيت الناس في الجاهلية والإسلام فأخبرني هل صدفت عن فارس قط؟ قال : يا أمير المؤمنين ، قد كنت أكره الكذب في الجاهلية وأنا مشرك فكيف إذ هداني الله تعالى للإسلام؟ لقد قلت ذات يوم لخيل من بني ذهل : هل لكم في الغارة؟ قالوا : على من؟ قلت : على بني البكاء ، قالوا : مغار بعيد على شدة كلب وقلة سلب ، قلت : فعلى من؟ قالوا : على هذا الحي من كنانة فإنه بلغنا أن رجالهم خلوف . فخرجت في خيل حتى انتهيت إلى واد من أوديتهم فدفعت إلى قوم سراة؛ قال له عمر : وما أدراك أنهم سراة؟ قال : انتهيت إلى قباب عظيمة من أدم ، وقدور متأقة وإبل وغنم ، فقال عمر : هذا لعمري علامة السرور ، قال عمرو : فانتهينا إلى أعظمها قبة فأكشفها عن جارية مثل المهاة ، فلما رأتني ضربت يدها على صدرها وبكت ، فقلت : ما يبكيك؟ قالت : ما أبكي على نفسي ولا على المال ، فقلت : على أي شيء تبكين؟ قالت : على جوار أتراب لي قد ألفتهن وهن في هذا الوادي ، قال : فهبطت الوادي على فرسي فإذا أنا برجل قاعد يخصف نعله ، وإلى جانبه سيف موضوع ، فلما رأيته علمت أن الجارية قد خدعتني وماكرتني ، فلما رآني الرجل قام غير مكترث ، ثم علا رابية ، فلما نظر إلى قباب قومه مطروحة حمل علي وهو يقول :


قد علمت إذ منحتني فاها     ولحفتني بكرة رداها
أني سأحمي اليوم من حماها     يا ليت شعري ما الذي دهاها

فقلت مجيبا له :


عمرو على طول السرى دهاها     بالخيل يزجيها على وجاها

حتى إذا جل بها احتواها

ثم حملت عليه وأنا أقول :


أنا ابن عبد الله محمود الشيم     مؤتمن الغيب وفي بالذمم

[ ص: 483 ] من خير من يمشي بساق وقدم

قال : فحمل علي وهو يقول :


أنا ابن ذي الأقيال أقيال البهم     من يلقني يود كما أودت إرم

أتركه لحما على ظهر وضم

قال : واختلفنا ضربتين ، فأضربه أحذر من العقعق ، ويضربني أثقف من الهر ، فوقع سيفه في قربوس سرجي فقطعه ، وعض كاثبة الفرس ، فوثبت على رجلي قائما وقلت : يا هذا ما كان يلقاني من العرب إلا ثلاثة : الحارث بن ظالم لسنه والتجربة ، وعامر بن الطفيل للشرف والنجدة ، وربيعة بن مكدم للحياء والبأس ، فمن أنت ثكلتك أمك؟ قال : بل من أنت ثكلتك أمك؟ قلت : أنا عمرو بن معدي كرب الزبيدي ، قال : وأنا ربيعة بن مكدم ، قلت : اختر مني إحدى ثلاث خصال : إما أن نتضارب بسيفينا حتى يموت الأعجز؛ وإما أن نصطرع فأينا صرع صاحبه قتله ، وإما المسالمة ، قال : ذاك إليك فاختر ، قلت : إن بقومك إليك حاجة وبقومي إلي حاجة ، والمسالمة أولى وخير للجميع . ثم أخذت بيده فأتيت به أصحابي وقلت لهم : خلوا ما بأيديكم قالوا : يا أبا ثور غنيمة باردة بأيدينا تأمرنا أن نتركها؟ فقلت لهم : لو رأيتم ما رأيت لخليتم وزدتم ، خلوا وسلوني عن فرسي ما فعل؛ قال : فتركنا ما بأيدينا وانصرفنا راجعين .

معنى الغنيمة الباردة

قال القاضي : في قوله : غنيمة باردة وجهان : أحدهما أنها الغنيمة التي لم ينل غانمها حر السلاح وحازوها سالمين ظاهرين موفورين غير مكلومين ، وقد يكون البرد في هذا القول بمعنى الطمأنينة والراحة كما يقال : اللهم أذقنا برد عفوك ، ومنه برد اليقين بمعنى الطمأنينة والسكون ، ويقولون برد الميت أي سكن . والوجه الثاني أن الغنيمة الباردة هي المستقرة الحاصلة والمحوزة الثابتة من قولهم : ما برد بيدي من هذا شيء ، أي ما حصل ولا ثبت ، كما قال الراجز :


اليوم يوم بارد سمومه     من عجز اليوم فلا تلومه

أي ثابت سمومه . وقد أنشدنا محمد بن القاسم الأنباري :


عافت الشرب في الشتاء فقلنا     برديه تصادفيه سخينا

على وجهين : برديه أي احبسيه وأقريه لينكسر برده ، والآخر بل رديه من الورد ، فأدغم اللام في الراء ، وهذا كثير في كلام العرب ، والإظهار هاهنا قليل في السماع ضعيف في القياس ، وإن كان بعضهم قد أظهر ، وقد روي عن حفص بن سليمان الأسدي عن عاصم بن أبي النجود بل ران بالإظهار .

[ ص: 484 ]

التالي السابق


الخدمات العلمية