صفحة جزء
تعليق لغوي

قوله: فكأنه من نشرها منشور، فيه وجهان: أحدهما فكأنه من حياة ذكره والثناء عليه حي أو ميت، يقال: لفلان ذكر حي إذا كان باديا غير خامل، وقد مات ذكر فلان إذا انقطع، قال أبو نخيلة:


فأحييت لي ذكري وما كنت خاملا ولكن بعض الذكر أنبه من بعض

والوجه الثاني: أن يكون عنى بنشرها رائحتها الطيبة، كما قال الشاعر:


سقيت دما إن لم أرعك بضرة     بعيدة مهوى القرط طيبة النشر

وقال المرقش الأكبر:


النشر مسك والوجوه دنانير     وأطراف الأكف عنم

وقال امرؤ القيس:


كأن المدام وصوب الغمام     ونشر الخزامى وريح القطر

ويروى القطر، القطر: العود الذي يتبخر به، وقيل للمجموعة التي توضع فيها لتتبخر به: مقطرة، اشتقاقا منه، قال المرقش الأصغر:


في كل ممشى لها مقطرة     فيها كباء معد وحميم

الكباء ممدود: العود وقيل: ما يتبخر به، والكبا مقصور المزبلة، وقوله: منشور فيه وجهان، أحدهما: أن يكون معناه النشر المقابل للطي، كما قال الشاعر:


طوى الموت ما بيني وبين محمد     وليس لما تطوي المنية ناشر

فجعل موته بمنزلة ثوب أو غيره طوي ما كان منه ظاهرا وخفي، وقد قال الشاعر:


فإن أظهروا خيرا فجاء بمثله     وإن هم طووا عنك الحديث فلا تسل

وقال بعض المحدثين:


فإن يك هذا منك جدا فإنني     مداوي الذي بيني وبينك بالهجر
ومنصرف عنك انصراف ابن حرة     طوى وده والطي أبقى على النشر

قال أبو العتاهية - وقد روى لنا عمن تقدم بزمان طويل:


طوتك خطوب دهرك بعد نشر     كذاك خطوبه نشرا وطيا

ويقال للحديث إذا اشتهر واستفاض وتفرق: انتشر.

[ ص: 70 ] والوجه الثاني: أن يكون معنى منشور: محيا، وفي هذا الوجه لغتان يقال: أنشر الله الميت إنشارا فنشر هو نشورا، وهذه أعلى اللغتين، وأكثرهما وأفصحهما وأظهرهما وبها جاء التنزيل، قال الله تعالى ذكره: ثم إذا شاء أنشره يقال من هذه اللغة: أنشره الله وهو منشره، ونشر الميت فهو ناشر، قال الأعشى:


لو أسندت ميتا إلى نحرها     عاش ولم ينقل إلى قابر
حتى يقول الناس مما رأوا     يا عجبا للميت الناشر

وقال الله أصدق القائلين: أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون واللغة الثانية: نشر الميت فهو منشور، وهو أقل اللغتين، وكثير من أهل العلم لا يعرفها وقد حكيت لنا، وممن حكاها أبو بكر بن دريد، وقال الله عز وجل: "وانظر إلى العظام كيف ننشرها"، فأتت فيها ثلاث قراءات، ننشرها بضم النون والراء بمعنى نحييها، كما قال عز ذكره: قال من يحي العظام وهي رميم وننشرها بالراء أيضا بفتح النون، وفي هذه القراءة وجهان من التأويل، أحدهما النشر الذي هو خلاف الطي، والآخر حمله على لغة من يقول: نشر الله الميت فنشر، مثل جبر الله فجبر، كما قال العجاج: قد جبر الدين الإله فجبر ومثله: فغرت فاه ففغر إذا فتحته فانفتح، ومثله: شحا فاه وشحا فوه.

والقراءة الثالثة: ننشزها بالزاي بضم النون أي نرفع بعضها إلى بعض واستقصاء الكلام في معاني هذه القراءات وتسمية القراء بها وبيان ما يختار منها يطول، وهو مرسوم فيما ألفناه من كتبنا في القراءات وعلوم القرآن على الشرح والبيان.

ومما جاء في حسن الثناء ما أنشدناه عبيد الله بن محمد بن جعفر الأزدي، قال: أنشدنا أبو بكر بن أبي الدنيا، قال: أنشدني أبو جعفر القرشي:


كل الأمور تزول عنك وتنقضي     إلا الثناء فإنه لك باق
ولو أنني خيرت كل فضيلة     ما اخترت غير محاسن الأخلاق

وقد روينا في بذل العطاء وما ينتج من حسن الثناء ما لم نر إطالة هذا المجلس به، لأنا بنينا كتابنا هذا على تضمينه أنواعا منثورة، وغير جارية على أبواب مجموعة محصورة، لئلا تتفاوت مجالس الكتاب في الطول والقصر، ونحن نأتي من هذا الباب فيما نستقبله من هذه المجالس ما يتفق ويحضر أولا أولا، إن شاء الله.

حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي، قال: حدثنا أبو العباس المبرد، قال: أخبرنا التوزي، عن أبي عبيدة، قال: لما بلغ حاتم طيئ قول المتلمس:


قليل المال تصلحه فيبقى     ولا يبقى الكثير على الفساد
وحفظ المال خير من فناه     وعسف في البلاد بغير زاد

[ ص: 71 ] قال: ما له قطع الله لسانه حمل الناس على البخل، فهلا قال:


فلا الجود يفني المال قبل فنائه     ولا البخل في مال الشحيح يزيد
فلا تلتمس مالا بعيش مقتر     لك غدا رزق يعود جديد
ألم تر أن المال غاد ورائح     وأن الذي يعطيك غير بعيد

ولقد أحسن حاتم في قوله: وأن الذي يعطيك غير بعيد ولو كان مسلما لرجي له بما أتى من هذا ما يغتبطه في معاده، وقد أتى كتاب الله عز وجل في هذا المعنى بما يعجز المخلوقون عن مساواته، قال الله تعالى ذكره: واسألوا الله من فضله وقال جل ثناؤه: وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان

التالي السابق


الخدمات العلمية