صفحة جزء
حمدويه صاحب الزنادقة والطويل الزنديق

حدثنا محمد بن عبد الواحد أبو عمر الزاهد قال أخبرني أبو بكر الملطي قال أخبرني [ ص: 517 ] من رأى حمدويه الزنديق التائب ، تائب الزنادقة ، قال : فأخبرني أن الخليفة رأى في منامه كأن الكعبة قد مالت ، وكأنه أقامها هو وآخر يعرف صورته إذا رآه في اليقظة ، فاستوت الكعبة ، قال : فطلبوني فقيل لي يا حمدويه ما نشك فيك أنك أنت صاحب الخليفة ، قال : فأدخلت عليه فقال : نعم هذا هو ، قال : فخلع علي وحملني ، ثم أمر صاحب الشرطة أن يقبل مني كل شيء أقوله ، وقال له : مر أصحاب الأرباع والأعوان بالطاعة له ، قال : نعم ، ثم قال لي انظر كل زنديق فارفعه إلي ، قال : وأمر لي بسجن حتى أحبس فيه الزنادقة ، فقال لي ابن مسروق الصوفي : هي التي يقال لها دار مفلح قال حمدويه : فالتقطت منهم جماعة ، فمن أقر وتاب خلاه السلطان ومن جحد حبسه ، قال ، فمررت ذات يوم على مسجد الطويل وهو يقول في أذانه : أشهد أن محمدا رسول الله ، قال حمدويه : فقلت زنديق والله الذي لا إله إلا هو ، قال : فبعثت إلى صاحب الربع فركب ، فقلت : اقبض على ذا ، فرفعه إلى السلطان ، قال : وكان مقرئا قد علم ألوفا من الناس ، قال : فتسامع أهل الكرخ ، قال : فاجتمعوا وهم ثلاثون ألفا فدخلوا على السلطان الأعظم فقالوا له : ليس حمدويه نبيا ولا صحابيا ولا تابعيا حتى يصدق في كل شيء يقوله ، ونحن وجوه الرعي نحلف للسلطان بالله الذي لا إله إلا هو لقد أبطل حمدويه ، قال : وابتدأ قوم فحلفوا بالطلاق وأيمان البيعة أن حمدويه كذب على أستاذنا ، قال : وخرجوا وقد وعدهم أن يتوقف في قتله ثلاثة أيام ، فإن خرج حمدويه بعذر بين قتل حمدويه وخلى المقرئ ، قال : فخلا بي من بعد ما خرج الناس فقال لي : يا حمدويه ، قد بلغك الخبر ورأيت الأمة قد أقبلت إلي وزعموا أنه أستاذهم وقد حلفوا بالطلاق ، وقد أجلته ثلاثة أيام فإذا كان اليوم الرابع فإما قتلته وإما أقتلك ، فقلت : قد رضيت بالله ربا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا وقد رضيت بالله كافيا ومعينا وأنا أقمت معك الكعبة لا هم ، قال : وخرجت فأخذني المقيم المقعد ولا أجد أحدا إلا وهو يثني عليه بالصيام والقيام والأذان والإمامة ، قال : فدخلت في اليوم الثالث إلى سجني ، قال : وكان من الزنادقة في حبسي غلام عاقل نظيف ، قال فقال لي : ما لي أراك مهتما؟ قال قلت : دعني ليس هذه الساعة من ساعاتك ، قال : لعل فرجك عندي ، قال قلت له : ويحك الطويل المقرئ قال قل لي : وقعت عليه ، قال قلت : ويحك فرج عني ، قال فقال لي : ففرج عني حتى أفرج عنك ، قال فقلت : وما صدقت عليك فيه؟ قال فقال لي : والله ما كذبت علي ولا على غيري ، قال قلت : تب حتى أخليك ، قال فقال لي : قد تبت ، قال فقلت : فحدثني بحديث هذا الرجل وأنا أخرجك معي الساعة من الحبس لأني مطاع عند السلطان ، قال فقال لي :

هذا أستاذي الكبير في الزندقة ، وليس في الدنيا زنديق داعية إلا من قبل هذا الذي يقال له الطويل ، قال قلت : صدقت ، ولكن السلطان لا يجعلك أنت حجة على رجل له [ ص: 518 ] ثلاثون ألف ناصر ، قال فقال لي : اعرض عليه ثلاثة أشياء ، فإنك لو قطعت الزنديق ما فعلها ، قال قلت : ما هي؟ قال : في إصبعه خاتم يختم بها ، عليه مكتوب : أنا زنديق فإذا وافى خاتمه بعض الزنادقة قضى حاجة الرجل ولو كان فيها فقده وتلفه ، قال قلت : فإن خرج منها؟ قال فقال لي : ادفع إليه ديكا نبطيا قلطيا أصفر المنقار دقيق الساقين أبح الصوت حتى يذبحه ، قال قلت : فإن خرج منها؟ قال : بقيت واحدة لا يفعلها زنديق أبدا ، فإن فعلها فقد سلم وهلكت أنت ، وإن لم يفعلها وليس يفعلها أبدا فقد نجوت أنت وهلك هو ، وأعلم أني قد آمنت بالله وصدقت النبي والمرسلين ، وآمنت بكل كتاب نزل وكل نبي مرسل ، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وقائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم ، من صدقه نجا ، ومن كذبه هلك؛ قال حمدويه : فأخذت يده وأخرجته حتى أديته إلى منزله ، ووهبت له دنانير وقلت له : أنا آتيك بالخبر في غد إن شاء الله تعالى فهات العلامة الثالثة ، قال : فأخرج إلي من جيبه خرقة حرير فيها صورة سمجة جدا : حاجباها غليظان وأنفها مفلطح وفمها كأنه مشافر ، قال لي : قل له فليبزق على هذه الصورة ، قال حمدويه فقلت : وما هذه الصورة؟ قال : هذه صورة ماني ، قال حمدويه : فبت بليلة كليلة الحبلى إذا أخذها الطلق ، قال : ثم غدوت إلى السلطان ، قال : فجلس على سريره سرير الخلافة قال : وغدا الكرخيون فامتلأ الصحن ، ثم قلت : يا سيدي إن رأيت أن تحضر خصمي ، قال : فقوي قلب السلطان لقوة كلامي ، قال فقال : الطويل الطويل ، قال : فأتي به ، قال : فتشرف الناس ، وحضرت القضاة والعدول والمحدثون والفقهاء ، قال فقال لي الطويل : هات ما عندك يا كذاب ، قال قلت خاتمك ، قال : هذا خاتمي ، قال فقلت لبعض العدول : اقرأ ما عليه ، فقرأ ذلك أنا زنديق ، قال فقال الطويل : يا أمير المؤمنين هذا العدل أبكم من هذا الكذاب ، وأعلم أن لي صديقا في ذلك الجانب يكنى أبا زيد فنقشت على خاتمي أبا زيد ثق وجعلتها علامة بيني وبينه لقضاء حوائجي ، وهو باق ، قال : فنظر إلى الخليفة فقلت : علامة أخرى يا أمير المؤمنين ، فأخرجت الديك وقلت : فليذبح هذا ، قال فقال الخليفة له : اذبح هذا ، قال فقال له الطويل : والله يا أمير المؤمنين ما ذبحت شيئا قط بيدي ، وما أمتنع من ذبحه إلا من ارتعاش في يدي ، قال فنظر إلي الخليفة وقال : يمكن ما قال ، فهات غيرها ، قال : فأخرجت الصورة قال فقلت له يا أمير المؤمنين : مره فليبزق على هذه الصورة ، قال فقال له : ابصق على هذه الصورة ، قال فقال : هاتها ، قال : فدفعتها إليه ، قال فقال : بأبي هذه الصورة ، وأمي هذه الصورة ، ثم قبلها وسجد لها ووضعها على عينيه وبكى ، قال حمدويه : فلو طار إنسان فرحا لطرت أنا تلك الساعة ، قال فدعا الخليفة بصاحب الشرطة فقال : خذه واضرب عنقه في باب الطاق في رحبة الجسر ، قال : وقام السلطان ، وانصرف القوم والعامة تصيح بهم : رحم الله معاوية ، رحم الله معاوية .

[ ص: 519 ]

حدثنا أبو عمرو قال أخبرني أبو بكر الملطي قال أخبرني أبو عبد الله بن أبي عوف البزوري قال أخبرني رويم المقري قال : كنت ذات يوم سلمت من صلاتي وقعدت لآخذ على بعض غلماني ، قال : فجاءت جاريتي فقالت : يا مولاي إن أردت أن تنظر إلى الطويل المقري فإن الناس قد انجفلوا وقالوا إنه تضرب عنقه الساعة في باب الطاق في رحبة الجسر لأنه قد صحت زندقته ، قال فقلت لغلامي : أسرج الحمار ، قال : فركبت ، قال : فلما رآني الناس قالوا لصاحب الشرطة هذا أستاذ القراء ، قال : فأوسعوا لي قال : فجئت فرأيت رأسه قد شد وقد مد رقبته ، قال فقلت للسياف : اصبر لي حبة حتى أكلمه ، قال فصاح به السلطان : اقض حاجة الشيخ ، قال : فتقدمت إلى الطويل فقلت : يا طويل ، إنما كان بلغنا عنك أنك تشتم أبا بكر وعمر رضي الله عنهما فخرجت زنديقا؟! قال فقال لي : يا مبلغم أي شيء كان بيني وبين أبي بكر وعمر ؟ إنما أردت صاحبهما وإني لم أجد من يعينني على صاحبهما ، قال فقلت للسياف : اضرب رقبة عدو الله وعدو رسوله صلى الله عليه وسلم ، قال فرمى برأسه وانصرفت وكبر الناس .

التالي السابق


الخدمات العلمية