صفحة جزء
وفادة جرير على الحجاج

حدثنا أبو النضر العقيلي قال أخبرني الزبير قال حدثني محمد بن أيوب اليربوعي عن أبي الذيال السلولي قال حدثني جرير قال : وفدت على الحجاج بن يوسف في سفرة تسمى سفرة الأربعين ، فأعطاني أربعين راحلة ورعاءها وحشو حقائبها القطائف والأكسية ، كسوة لعيالي ، وأوقرها حنطة ثم خرجت فلما شددت على راحلتي كورها وأنا أريد المضي جاءني خادم فقال : أجب الأمير ، فرجعت معه ، فدخلت على الحجاج ، فإذا هو قاعد على كرسي ، وإذا جارية قائمة تعممه بعمامة فقلت : السلام عليك أيها الأمير فقال : هات قل في هذه ، فقلت : بأبي وأمي تمنعني هيبة الأمير وإجلاله ، وأفحمت فما أدري ما أقول ، فقال : بل هات قل فيها ، فقلت : بأبي وأمي فما اسمها؟ قال : أمامة ، فلما أمامة فتح علي فقلت :


ودع أمامة حان منك رحيل إن الوداع لمن تحب قليل     تلك القلوب صواديا تيمتها
وأرى الشفاء وما إليه سبيل

فقال : بل إليه سبيل ، خذ بيدها فجبذتها فتعلقت بالعمامة وجبذتها حتى رأيت عنق الحجاج قد صغت ومالت مما جبذتها ، وتعلق بالعمامة ، قال : ويخطر ببالي بيت من شعر فقلت :


إن كان طبكم الدلال فإنه     حسن دلالك يا أميم جميل

فقال الحجاج : إنه والله ما بها دلال ولكن بها بغض وجهك وهو أهل ذلك ، خذها بيدها جرها ، فلما سمعت ذلك منه خلت العمامة . وخرجت بها فكنيتها أم حكيم وجعلتها تقوم على ودي لي وعمالي وتعطيهم نفقاتهم بقرية يقال لها الغنية من قرى الوشم حتى نفد الودي . قال طلحة : فأخبرني الزبير قال ، قال محمد بن أيوب : وسمعت حجناء بن نوح يقول : كانت والله مباركة
.

شروح وتعليقات

قال القاضي رحمه الله : قول جرير جبذتها وأجبذها بمعنى جذبتها وأجذبها ، تقول جبذته أجبذه جبذا ، وجذبته أجذبه جذبا ، ومثله تبيغ به الدم وتبغي ، وما أيطبه وما أطيبه ، ومثله كثير . وأما الودي فإنه الفسيل كما قال الشاعر :


نحن بغرس الودي أعلمنا     منا بركب الجياد في الغلس

[ ص: 535 ] وقول جرير : إن كان طبكم الدلال يعني الخلق والطبع ، كما قال الشاعر .


وما إن طبنا جبن ولكن     منايانا وطعمة آخرينا

يجوز فيه طبكم الدلال ، وطبكم الدلال لأنهما معرفتان كما قال الفرزدق :


فقد شهدت قيس فما كان نصرها     قتيبة إلا عضها بالأباهم

ويروى فما كان نصرها إلا عضها ، وقال آخر :


لقد علم الأقوام ما كان داؤها     بثهلان إلا الخزي ممن يقودها

ويروى داءها إلا الخزي ، وقال آخر :


إن يكن طبك الدلال فهلا     ذاك في الدهر والسنين الخوالي

التالي السابق


الخدمات العلمية