صفحة جزء
ابن الزيات يتفجع على دابة أخذها المعتصم

حدثنا الحسين بن القاسم الكوكبي قال حدثني أبو علي محرز الكاتب قال حدثني سهل بن عبد الكريم قال : كان لمحمد بن عبد الملك دابة أشهب أحم لم ير مثله في الفراهة والوطاء والحسن ، فذكر المعتصم يوما الدواب فقال : أشتهي دابة في نهاية الوطاء تصلح للسرايا ، فقال له أحمد بن خالد خيلويه قد عرفته لك يا أمير المؤمنين على أن لا يعلم صاحبه أني ذكرته لك ، قال : لك ستر ذلك ، قال : عند كاتبك محمد بن عبد الملك دابة لم ير مثله ، فوجه المعتصم فأخذه من محمد ، فقال فيه :


قالوا جزعت فقلت إن مصيبتي جلت رزيتها وضاق المذهب     كيف العزاء وقد مضى لسبيله
عنا فودعنا الأحم الأشهب     دب الوشاة فباعدوك وربما
بعد الفتى وهو الحميم الأقرب     لله يوم غدوت عني ظاعنا
وسلبت قربك أي علق أسلب     نفسي مقسمة أقام فريقها
وغدا لطيتها فريق يجنب     الآن إذ كملت أداتك كلها
ودعا العيون إليك زي معجب     واختير من خير الحدائد خيرها
لك خالصا ومن الحي الأغرب     وغدوت طنان اللجام كأنما
في كل عضو منك صنج يضرب     وكأن سرجك فوق متن غمامة
وكأنما تحت الغمامة كوكب

[ ص: 538 ]

ورأى علي بك الصديق مهابة     وغدا العدو وصدره يتلهب
أنساك لا برحت إذا منسية     نفسي ولا زالت بمثلك تنكب
أضمرت عنك اليأس حين رأيتني     وقوى حبالك من قواي تقضب
ورجعت حين رجعت منك بحسرة     لله ما صنع الأصم الأشيب
فليعلمن ألا تزال عداوة     مني مريضة وثأر يطلب
يا صاحبي بمثل ذا من أمره     صحب الفتى في دهره من يصحب
إن تسعدا فصنيعة مشكورة     أو تخذلا فعداوة لا تذهب
عوجا نقضي حاجة وتبحثا     بث الحديث فإنه لك أعجب
لا تشعراه بنا فليس لذي هوى     شكوى الحزازة عنده مستعتب

تفسير ألفاظ

يعني بالأصم : أحمد بن خالد خيلويه .

قال القاضي : الأحم يصف عينه بالسواد . وقوله : لا يرأب يعني لا يشعب ويقال لما يرقع به القدح أو غيره من الأواني رؤبة ، ويقال للذي يصلح الفاسد ويرقع الصدع هو يرأب الثأى . ومن ذلك قول الطرماح بن حكيم :


هل المجد إلا السؤدد المحض والتقى     ورأب الثأى والصبر عند المواطن

ومن الثأى قول ذي الرمة :


وفراء غرفية أثأى خوارزها     مشلشل ضيعته بينها الكتب

المؤلف ينتقد ابن الزيات على موقفه

قال القاضي : هذا الذي أتى به الخبر في هذه القصة عن محمد بن عبد الملك من خلائفه المستعجبة الكاشفة لما كان فيه من الآداب المستخشنة ، وما الذي بلغ من قدر دابة ولو أنه الوجيه ولاحق ، أو العصا دابة قصير بن سعد ، حتى يضن بها عن المعتصم ، وهو الخليفة المبرز في فضله وسروه وجوده وشرفه وشرف خلائقه وجميل طرائقه ، وقد استكتبه وموله ، وشرفه وخوله ، أو ما كان قمنا أن يبتدئ بقود الدابة إليه عند وقوفه على نزاعه إليه ورغبته فيها ويغتبط بقبوله إياها ويرى ذلك من المآثر التي يغبط بها ويفتخر بحيازتها ، وقد سبق القول السائر بالمثل المتوارث الغابر : أي الرجال المهذب .

التالي السابق


الخدمات العلمية