صفحة جزء
صبر أعرابية يفوق صبر الرجال

حدثنا محمد بن الحسن بن دريد قال : أخبرنا عبد الرحمن عن عمه قال : كان بحمى ضرية عجوز من بني أبي بكر بن كلاب يتحدث قومها عن سروها وعقلها ، فأخبرني من حضرها وقد مات ابن لها وقد كان واحدها ، وقد طالت علته فأحسنت تمريضه ، فلما فاظ قعدت بفنائها وحضرها قومها فأقبلت على شيخ منهم فقالت : يا فلان أو يا أبا فلان ما أحق من ألبس العافية وأسبغت عليه النعمة فاعتدلت به الفطرة أن لا يعجز عن التوقي لنفسه قبل حل عقدته ، والحلول بعقوته ، والحيال بينه وبين نفسه ، ثم أنشأت تقول :


هو ابني وأنسى أجره لي وعزني على نفسه رب إليه ولاؤها     فإن أحتسب أوجر وإن أبكه أكن
كباكية لم يغن شيئا بكاؤها

فقال الشيخ : إنا لم نزل نسمع أن الجزع إنما هو للنساء فلا يأس رجل في مصيبته ، ولقد كرم صبرك وما أشبهت النساء ، فأقبلت عليه بوجهها وقالت : إنه ما خير امرؤ بين جزع وصبر إلا وجد بينهما نهجين بعيدي التفاوت في حالتيهما ، أما الصبر فحسن [ ص: 549 ] العلانية محمود العاقبة ، وأما الجزع فغير معوض عوضا مع مأثمه ، ولو كانا في صورة رجلين لكان الصبر أولاهما بالغلبة بحسن الصورة وكرم الطبيعة في عاجله في الدين وآجله في الثواب ، وكفى بما وعد الله فيه لمن ألهمه الله إياه
.

تفسير بعض الألفاظ

قال القاضي : في هذا الخبر أن هذه المرأة قالت : والحيال بينه وبين نفسه ولا يعرف الحيال في هذا الموضع وإنما يقال : حالت الناقة أو الشاة حيالا إذا لم تلقح وهي حائل . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في سبي أوطاس : لا تقربوا حاملا حتى تضع ولا حائلا حتى تحيض .

ومن الحيال قول الشاعر :


قربا مربط النعامة مني     لقحت حرب وائل عن حيال

وقال الفراء : ومن كلام العرب : حائل حول ، إذا تتابع الحيال عليها ثلاثة أعوام .

وأما الحول بين الشيء وغيره من قول الله تعالى : واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وقوله : وحال بينهما الموج وقوله : وحيل بينهم وبين ما يشتهون وهذا معنى اللفظة الواردة في هذا الخبر فإنه يقال فيه : حلت بين الرجلين حولا وحؤولا .

وقوله : والحلول بعقوته يقال : ساحة الدار وباحتها وقاعتها وعقوتها كما قال الشاعر :


فمن بعقوته كمن بنجوته     والمستكن كمن يمشي بقرواح

التالي السابق


الخدمات العلمية